يناير.. “انت مش انت وانت جبان”!

ضجرت من استحضار حديث الشهداء والبكاء على أطلال الثورة والميدان، فما عدت احتمل كل هذا الهراء.
حان الوقت لأن نمحو الذكري من دفاتر الوجدان، وأن نستفيق على حقائق جديدة أهمها على الإطلاق أن العبرة بالنهايات لا بالكلمات.

الثورة هي لحظة فوران على أوضاع مزرية وقاعدة انطلاق لتصحيح مسار خاطئ، فهل مهدت يناير الطريق نحو مستقبل أفضل، أم ارتدت على أعقابها لتكتفي باكية بالشكوى والنواح ممن باع وخان وتآمر.

أصبحت الثورة عبئاً علي أصحابها، كانوا يوماً ما منتصبي الهامات، يفخرون بأنهم من أبناء الميدان وأول من انتفضوا ضد الظلم والطغيان، والآن صاروا مختبئين في الصفوف الأخيرة بلا حراك، مهزومين وخائفين ومتشككين، غير مصدقين أن الأحلام العظيمة تحولت إلى أوهام كبيرة.

سيدي، سأتلو علي مسامعك هذا السؤال الذي بات ساخراً أكثر منه محرضاً، وهو بإيجاز: لماذا قمنا بالثورة؟
تفجرت يناير لتقضي على أسطورة “عاش الرئيس”، ولتصك مكانها شعاراً بديلاً كُتب بالدماء لا بالمداد، كان الشعار باختصار: “لا سيادة إلا للشعب”.
هب أولاد يناير ينشدون الإنسانية والعدالة، فما قيمة أي حياة من دون الكرامة والحرية، ما قيمة الوطن لو عشنا فيه غرباء وأذلاء، فإن استحالت الحياة فيه بعزة، فليكن الموت فوق ترابه بشرف.
كانت يناير اختياراً لا انتحاراً، قامت من أجل الكل لا الفرد، من أجل الحق لا الزيف، احتقرت الباطل وانتصرت للمبادئ.
بالأمس، كنا نقول: أرادت يناير، وحلمت يناير، ونادت يناير.. واليوم تمر ذكراها في صمت، نستعيد فيها مشاهد الحشود ونستحضر مشاعر الحماس، ثم سرعان ما يتبدد هذا كله في لحظة يأس، لنسأل أنفسنا بأسي وخيبة: “يا تُري.. ماذا تبقي من يناير؟”.

يزعم النظام الحاكم في خطابه السياسي أنه ابناً باراً ليناير، يسير في مضمارها، يقدر تضحياتها وأحلامها، ولكن هل مطلوباً منا أن نصدق إدعاءاته؟ هل نُكذب أنفسنا ونغض الطرف عن سياساته الرامية إلى إعادة إنتاج صورة ممسوخة ومماثلة لـ”عصور ما قبل يناير”؟.

كان الهتاف في الميدان هادراً ينادي بالعدالة، فأصبح خافتاً يعلو عليه دوي التصفيق لحكمة الرئيس وعظمة أفكاره وقراراته.
كان الحلم في الميدان بوطن فضفاض يسع الجميع ولا يلفظ أحداً، فأصبح الحلم ضيقاً، والوطن حكراً على الكهنة والمريدين والطائعين لأوامر السلطان وفرماناته.

احتفي النظام بيناير نهاراً ثم سرقها ليلاً وانقلب عليها، فصارت الحرية مسجونة، والكلمة دنس، والمعارضة عمالة، والثورة مؤامرة، والقانون ألعوبة، والوطن للأسياد، والنفاق طريقاً للصعود، والصدق منحدراً للهبوط، والبقاء بات للأقبح لا الأصلح.
يحتقر النظام يناير لأنها لا تعترف بحكم الفرد، لا تؤلهه ولا تصطفيه، فالمجد في قاموس الثورات من نصيب الشعوب وليس الطغاة.

“إما أنا أو الفوضي”.. هي العبارة التي يريدون لنا أن نحيا في ظلها كالأسري، منزوعين القدرة على تخطي حدودها وكسر قيودها، مستسلمين لواقع يعكس في حقيقته ذروة الفوضي.

نجح النظام في أن يخيفك من يناير لتعبده صاغراً أناء الليل وأطراف النهار، لتشكره علي نعمة البقاء حتي لو كانت بطعم الذل، لتفكر ألف مرة قبل أن تحاسبه علي خطاياه وانحرافاته.

لا أسعى إلي بث روح اليأس في قلبك، ولكن إن أردت أن تبدأ من جديد، فلتكف عن استدعاء الحسرة علي ما ولي، حدد أولاً مكانك وأين الطريق، من أصدقائك ومن هم أعداء مستقبلك، املأ وجدانك بالفخر ليناير، ثم امض للإمام غير عابئ بترهات الجهلاء.

كانت ليناير أخطاء، ولكن لا تحاسبوها علي المصير، بل التمسوا لها حسن النوايا، شرف المحاولة، جسارة المبادأة، فما خرج الملايين طلباً للغنائم، بل جمع غنائم الثورة من لا يملكون شرفاً ومن لا يصونون عهداً.