ملف..خمسمئة عام على الاحتلال العثماني لمصر (1)

في مثل هذا الشهر من عام1517، دخل الجيش العثماني القاهرة بعد إلحاقه الهزيمة بالمماليك في ثلاث معارك متتالية، في مرج دابق وغزَّة والريدانية؛ لتبدأ فترة من أسوأ فترات التاريخ المصري ستمتد إلى أوائل القرن التاسع عشر؛ لتنقضي بظهور محمد علي على مسرح الأحداث واستقلاله بحكم مصر، وخوض جيوشه بقيادة ولده إبراهيم باشا حروبا ضد العثمانيين امتدت لنحو عقد من الزمان، ألحق جيش مصر فيها عدة هزائم مذلة بالعثمانيين، وكاد إبراهيم باشا أن يدخل الأستانة، وينهي حكم بني عثمان، لولا أن ظروفا عديدة منها تدخل القوى الأوروبية حالت دون ذلك.

احتلال مصر مخالفة شرعية

كان احتلال العثمانيين لمصر أمرا خلا من أي سند شرعي، فمصر من ديار الإسلام التي كانت تذود عن حياضه بدفع العدو الأوروبي – متمثلا في القوات البرتغالية- في معارك عديدة في البحر المتوسط والمحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر؛ لكن السلطان سليم الأول الذي عُرف بعدوانيته وشذوذ فعاله قرر أن يحوِّل جيوشه عن الجهاد في أوروبا التي هي في وجهة النظر الشرعية ديار الكفر- إلى إحداث الفتنة ونشر الخراب في ديار الإسلام بالمشرق؛ لذلك رأى علماء المسلمين في مصر أن سليم إمام بغي وجب قتاله؛ خاصة أن ما قام به هذا السلطان الجائر اعتبر بمثابة خروج على دستور الدولة العثمانية ومنهجها في تقسيم العالم إلى مناطق للحرب، وأخرى للسلام لا يجوز العدوان عليها.. كما كان هذا النهج مخالفة واضحة لسيرة السلطان بايزيد والد سليم الذي دعم دولة المماليك بالمال والرجال والسلاح في حربها ضد البرتغال، بل واعتبر دولة المماليك حارسة لحدود دولته الغربية.

لذلك خرج كبار علماء الأزهر وأئمة المذاهب الأربعة في صحبة جيش المماليك المتجه إلى حلب بقيادة السلطان قنصوه الغوري، وقد وقع ثلاثة من أئمة المذاهب في الأسر، وفرَّ إمام المذهب الحنفي مع الفلول المنسحبة جنوبا صوب مصر، ولكن علماء الأزهر وشيوخه ظلوا على موقفهم المناوئ للعثمانيين حتى بعد انكسار المماليك في الريدانية وهروب طومان باي وقواده إلى داخل البلاد- فقد قاموا بشحن المصريين معنويا لقتال البغاة، وتحولت أحياء القاهرة إلى ساحات قتال، وكثر اختطاف الجنود الأتراك وقتلهم.. في تلك الأثناء كان المماليك يستعيدون شيئا من قوتهم استطاعوا بها خوض معارك عنيفة ضد المحتلين شرق النيل، وحقق المماليك النصر في خمس معارك جعلت العدو العثماني يتراجع، لكنه عاود الكرَّة من جديد في معركة سادسة عرفت بموقعة “أم دينار” وكان الانتصار حليفهم، ووقع طومان باي في الأسر، ثم أعدم وعلقت جثته على باب زويلة بالقاهرة كما هو معروف.

مصر ولاية عثمانية

كان إعدام السلطان طومان باي إيذانا بنهاية دولة المماليك في مصر، وبداية عصر جديد سيصير على مر التاريخ عنوانا على التخلف والانحطاط والانهيار في شتى مناحي الحياة.. عصر صارت مصر فيه ولاية عثمانية تذوي كوردة في زوايا النسيان، بعد أن كانت ملء السمع والبصر.. عصر نهبت فيه البلاد واستنزفت خيراتها؛ بل ورحِّل مهرة صناعها وكبار مبدعيها في كل فن- قصرا إلى الأستانة؛ لتعمر عاصمة بني عثمان بخراب مصر وسائر الأمصار؛ فأي احتلال أقذر من هذا وأحط؟!

بعد النهاية المؤسفة لطومان باي في أبريل سنة1517، استسلم المصريون لمصيرهم، ورضوا بالأمر الواقع بعد أن سرت الدعاية العثمانية فيهم سريان النار في الهشيم.. كانت تلك الدعاية – في مجملها- تقوم على أساس الزعم بأن الدولة العثمانية هي دولة الخلافة الإسلامية التي تلتزم المذهب السني، وتطبق شرائع الإسلام وتقاتل أعداء الإسلام، وتقف سدا منيعا في وجه الأطماع الصليبية، وترفع راياته وتقيم بنيانه، ولا يألو سلطانها ورجالها جهدا في سبيل عزة الإسلام والمسلمين، كما أنها دولة تجل العلماء، وترفعهم إلى المكانة التي يستحقون.. وبالطبع فإن هذه الدعاية آتت أكلها سريعا، ودان للعثمانيين الأمر في بر مصر، بفضل ما بذله العلماء الأجلاء من جهود انصبت على إقرار السلم الأهلي، والعودة بالأمور إلى سابق عهدها من الأمن والاستقرار؛ لكنهم – أي العلماء- وقفوا موقفا مشهودا في التصدي لمحاولة الوالي أحمد باشا الانفصال بمصر عن الدولة العثمانية، وكان الرجل يطمع في منصب الصدر الأعظم وكانت المنافسة بينه وبين إبراهيم باشا صهر السلطان سليمان قد احتدمت على المنصب؛ فلما اختار السلطان، إبراهيم باشا للمنصب الرفيع، ثارت ثائرة الرجل فقرر السلطان توليته أيالة مصر تطييبا لخاطره، وكانت مصر أهم ولاية عثمانية في المشرق ولا تعدلها مكانة سوى المجر في شرق أوروبا.. وتعد هذه أولى الحركات الانفصالية في العصر الحديث التي عرفتها مصر، ولم تتكرر بعد ذلك إلا على يد محمد علي الذي أسس دولته متأثرا بالنظم العثمانية مفضلا إياها على النظم الأوروبية على عكس ما هو شائع.

أحمد باشا يستقل بمصر عن الدولة العثمانية

تولى أحمد باشا ولاية مصر سنة 1523، وكان الخلاف بينه وبين إبراهيم باشا الصدر الأعظم للدولة العلية محتدما فارسل الأخير بعض أعوانه برسائل إلى بعض أمراء مصر يطلب منهم التخلص من أحمد باشا الوالي وتعيين أحدهم قائمقام لحين وصول الوالي الجديد، ولكن أحمد باشا كشف أمر الرسائل، وقبض على الأمراء وأودعهم السجن، وقام لتوه باستدعاء الخليفة العباسي وقضاة المذاهب الأربعة وأجبرهم على مبايعته بالسلطنة، وأمر بسك العملة باسمه والدعاء له على المنابر كما أرسل برسائل إلى الشاه الصفوي، يطلعه على الأمر ويستنصره.. اتجه الرجل بعد ذلك إلى تقوية دعائم حكمه بالبطش فتوسع في مصادرة الأموال واعتقال الرجال، وناصب العلماء ممن امتنعوا عن الدعاء له في المساجد العداء.. فانفجر المصريون بغضب عارم وكذلك أمراء الجند ممن استطاعوا الإفلات من سجنه، وتشهد الاحياء القاهرة مجددا معارك طاحنة بين جند الوالي الانفصالي وأنصار الدولة العالية ومن انضم إليهم من الشعب؛ حتى أذن الله بانكشاف الغمة وانكسار شوكة الوالي الذي تم إعدامه ومستشاره قاضي زاده الأردبيلي، ويحرر الشعب السجناء الذين امتلأت بهم سجون الوالي، وكان جلهم من علماء الأزهر وطلاب العلم فيه.

رضوخ إلى حين

لقد كان من الممكن أن تطول تجربة أحمد باشا في الاستئثار بحكم مصر؛ لولا أنه ناصب المصريين العداء واستعدى عليه الأزاهرة الذين كانوا بحق قادة الشعب وطليعته، وكان بأيديهم ثورة الناس وهدأتهم.. كان من الممكن أن ينهج أحمد باشا نهج الاعتدال والمداراة من أجل كسب الناس إلى جانبه، لكنها طبائع أخس أهل الحكم حين يرون التنكيل بالناس وإذلالهم وإفقارهم وإهدار حقوقهم، هو السبيل لبقاء الحكم، وتقوية دعائمه؛ لكن المصريين ما كان لهم أن يصبروا على هذا الضيم، ورأى قادتهم من العلماء أن التحالف مع امراء الجند –إلى حين- هو سبيل الخلاص، وهي أمور تنجح تارة وتخفق تارات.. ترقبا لجولة أخرى تكون الغلبة فيها للمستضعفين وإن طال الزمن.