مصر العثمانية ..النفي من التاريخ (3)

يعزو البعض قلة المصادر التاريخية عن الفترة التي وقعت فيها مصر تحت الاحتلال العثماني لأسباب عديدة منها انصراف الباحثين عن دراسة تلك الفترة التي شكلت فجوة زمنية بين العصور الوسطى والعصر الحديث، كذلك فقدان مصر لاستقلالها وتحولها إلى حالة التبعية مما أفقدها كثيرا من أهميتها ومركزيتها وقدرتها على التأثير في الأحداث؛ أيضا اتسام تلك الفترة التي امتدت لنحو ثلاثة عقود بالجمود الشديد كنتيجة طبيعية لما مارسه المحتل من نزح للثروات والطاقات وتهجير أمهر الحرفيين والصناع إلى عاصمته، حتى اختفت من مصر خمسون حرفة وصناعة على أقل تقدير، كذلك العمل على استمرار الصراع الداخلي محتدما بين القوى التي خلفتها دولة المماليك، والقوى التي أوجدها الوضع الجديد، والحيلولة دون وجود ظروف مواتية لمواصلة ما كان قد بدأ بالفعل من تطور وتحديث في عهد المماليك.

والغريب أن يحاول عدد من الباحثين المعاصرين الدفاع بكل قوة عن الوجود العثماني في مصر الذي كان بلا شرعية من الأساس – كما ذكرنا في مقال سابق- بمخالفة كثير من الثوابت التاريخية، محاولين نسب تهمة تشويه هذه الفترة للمستشرقين الذين دعوا من قبل القوى الأوروبية لتجميل الوجه القبيح للاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي، على حساب تشويه الوجود العثماني في تلك البلاد، وهم يرفضون حتى أن ينعت هذا الوجود بالغزو أو الاحتلال، ويتمسكون بمصطلح الفتح، مع أن هذه البلاد وعلى رأسها مصر، كانت ديار إسلام، أهلها مسلمون في غالبيتهم، ويحكمها مسلمون.. لكن هذه المغالطات الفجة التي تحاول أن تتزيا بزي الموضوعية والأمانة العلمية والحياد، لا تجد من المصادر التاريخية ما يؤيد تلك الدعاوى، فلا يكون جهدهم إلا التشكيك فيما هو موجود من مصادر، وعلى رأسها كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور لمحمد بن إياس الحنفي الذي يعتبر مؤرخ الاحتلال العثماني لمصر، ولا يجدون من دعاوى التكذيب إلا نسب الرجل الذي يعود للشراكسة، واستخدامه ألفاظا غير قطعية في تناوله لكثير من الأحداث والفظائع التي نسبت للعثمانيين، بالرغم من أن أمانة الرجل واضحة كل الوضوح في إظهاره مساوئ حكم المماليك في إدارة البلاد، وميلهم إلى الظلم والبطش وسفك الدماء، وأكل أموال الناس بالباطل.

 

10

فرض الضرائب واستحداث مدفوعات من أجل زيادة الحصيلة بتحميل المصريين فوق ما يطيقون

ولا عجب أن يستشهد أحدهم بالمؤرخ “ستانفورد شو” في كتابه تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة بأن ” مصر كانت منذ أن دخلها السلطان سليم الأول واحدة من أهم الوحدات داخل المنظومة العثمانية، فقد كانت ترسل الضرائب بشكل مباشر إلى مركز الدولة دون وساطة ملاك الأراضي العسكريين (نظام التيمار) الذي طبق في الموانئ المصرية وحدها، وكانت محاصيل مصر تطعم المدن الكبرى في الدولة كما كانت تفعل من قبل للدول التي حكمت المنطقة، كان السكر والرز والعدس وغيرها من البضائع المصرية تصل من مصر بالبر والبحر لكفاية حاجات إسطنبول ومدن الأناضول، وكثير من الذهب الذي استخدمته الدولة لسك عملتها جاء من السودان وإفريقيا الوسطى خلال مصر، كما كانت مصر تزود الجيش العثماني بعشرة آلاف جندي جيد التدريب سنويا، وقد فتح هؤلاء باسم الدولة العثمانية جنوب الجزيرة العربية وسواحل الحبشة ودافعوا عنها في مجمل المشرق من اليمن إلى شمال إفريقيا، وكانت المدن المقدسة في الحجاز تأكل وتلبس وتحمى من الخزينة المصرية، ومن الموانئ المصرية انطلقت الأساطيل العثمانية للدفاع عن المحيط الهندي وخليج البصرة والبحر المتوسط ” ثم يعتبر ذلك دفاعا عن حسن سيرة العثمانيين في احتلالهم لمصر، وهو ما يوضح بجلاء الاستنزاف البشع لثروات مصر ومواردها على أيدي هؤلاء الغاصبين، والحقيقة أن عدم دخول مصر في نظام الإقطاع العسكري” التيمار” يعود كما يوضح مايكل ونتر إلى إدراك العثمانيين للطبيعة الخاصة للاقتصاد المصري التي تحبذ تدخلا أقل في الإدارة، وكانت المبالغ المحصلة من كافة الموارد كالضرائب والجمارك وغيرها تنفق على الرواتب بدءا من الوالي إلى رجال الحامية، ونفقات المدن المقدسة وقوافل الحج، ثم ما كان يعرف بـ “إرساليني خازيني” وهو المبلغ الذي يرسله الوالي إلى خزائن السلطان سنويا.

 

20

أحد أسواق القاهرة في أول زمن الاحتلال العثماني

فرض العثمانيون العديد من الضرائب على المصريين كالضريبة على عقود الزواج والطلاق، وكذلك الضريبة على الميراث، مما عدّه العلماء مخالفة صريحة للشريعة، والحقيقة أنهم كانوا يتبعون ما يسمى بـ “اليسق” وهي تعني قانون المنع، وهو موروث لديهم عن المغول، مما جعل أحد العلماء المغاربة يصرخ في وجوههم متحديا: “هذا قانون الكفار”.

ويورد “مايكل ونتر” في كتابه المجتمع المصري تحت الحكم العثماني أن المحتلين في سبيل الوصول إلى سيطرة أقوى على اقتصاد البلاد، وقدر أكبر من المركزية قاموا بفصل الكثير من القضاة ونوابهم، واقتصرت جميع أعمال التقاضي على المدرسة الصالحية، وخضع قضاة المذاهب الأربعة لقاض تركي كان “أجهل من حمار، ولم يكن لديه أي فهم بالشريعة” حسب تعبير ابن إياس، كما فرض مدفوعات متنوعة، وتطوع بإصدار الأوامر بأن تلزم النساء الدور حماية للأخلاق العامة!

وفي معرض الدفاع عن هذا الاحتلال البغيض لمصر أوردت الدكتور نللي حنا أسبابا ثلاثة تدعونا إلى عدم وصم الوجود العثماني في مصر بوصمة الاحتلال وهذه الأسباب هي أن العثمانيين لم يحاولوا فرض لغتهم على أهل مصر، كما أنهم لم يغيروا النشاط الاقتصادي للسكان ليكون أكثر مناسبة لمصالحهم، كما فعل الانجليز حين حولوا مصر إلى مزرعة قطن لتشغيل مصانع الغزل والنسيج لديهم، كما أن العثمانيين لم يزكوا نارا الحرب الأهلية في مصر، وبالقطع فإن هذه الأسباب متهافتة كل التهافت، فالوظائف والمناصب كانت حكرا على الأتراك، ولم تكن أي محاولة من قبل أهل البلاد للحصول على أي ميزة لتمر إلا عبر إجادة التركية، حتى أن الرواتب كانت تصرف وفقا لذلك كما حدث عقب تمرد الجند لانقطاع “العلوفات” وكما هو معروف فإن إحلال لغة مكان لغة بقصد تسييد ثقافة على أخرى تستلزم أن يكون الطرف الفاعل مدركا إلى حد ما حقيقية تأثير ذلك فيما بعد كداعم قوي لوجوده، وكسبب في بقائه، ومن المعلوم أن مثل هذه التصورات كانت بعيدة كل البعد عن العقلية العثمانية التي لا تعرف سوى السلب والنهب والإغارة والقتل كما ذكر ابن إياس، أما بقاء النشاط الاقتصادي للمصريين كما هو دون تغيير يذكر، فإنما كان لرضاء العثمانيين باجتناء الخيرات المصرية بأسهل الطرق دون الحاجة إلى تغيير كما أوردنا ، ويكفي إرسال الصناع المهرة إلى استامبول وعدم السماح لهم بالعودة إلا في زيارات سريعة كما ذكر “مايكل ونتر” أما السبب الثالث فهو عجيب إذ أن الاقتتال بين فرق المماليك والانكشارية ومن انحاز لهما من البدو والعرب لم يتوقف إلا قليلا على مدى القرون الثلاثة، وبالطبع فإن نفي هذه الأسباب وغيره من الشواهد، يؤكد أنه كان احتلالا ولا أسوأ.