ماذا لو أن الجزيرتين سعوديتان ؟

كتب كثيرون فى قضية تنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، قال البعض إن الجزيرتين سعوديتان، وراحوا يدافعون بكل الوسائل عن آرائهم، إلى درجة التخوين والطعن فى وطنية من يتمسكون بملكية الجزيرتين ويرفضون التخلى عن جزء من ترابهم الوطنى، فى سابقة أظن إنها لم تحدث من قبل فى التاريخ. وقال البعض الآخر إن الحكومة لا تملك حق اتخاذ قرار التنازل عن الجزيرتين، ولا حتى باستفتاء شعبى، لأنه لا استفتاء على السيادة، ولأن الأرض ليست ملكا لهذا الجيل فقط وإنما لكل الأجيال القادمة، وأكدوا أحقية مصر فى الجزيرتين ودعوا نواب الشعب إلى عدم التفريط فيهما، واستندوا فى ذلك إلى حقائق التاريخ.

الحقائق تعلو على الآراء مهما كانت وجاهتها، وحقائق التاريخ تقول إنه لا توجد أى وثيقة رسمية تثبت ملكية السعودية لجزيرتى تيران وصنافير، ولم يثبت على الإطلاق ممارسة السعودية لأى عمل من أعمال السيادة على الجزيرتين منذ إعلان تأسيس المملكة فى عام 1932، ولا يوجد أي نص مكتوب وموقع بين مصر والسعودية يثبت أن المملكة قد تنازلت أو سمحت لمصر بموجب ملكيتها للجزيرتين بالوجود العسكرى عليهما، وكما هو معلوم فإن القانون الدولي لا يعترف إلا بالنصوص المكتوبة والموقعة من الطرفين فى مثل هذه الحالات، ومندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أكد أمام مجلس الأمن الدولى فى عام 1954 أن مصر تفرض سيادتها على جزيرتى تيران وصنافير منذ عام 1906، وهو أمر ثابت تعززه كل الخرائط المصرية الصادرة منذ هذا التاريخ، ولم يبد مندوب السعودية أى اعتراض على تأكيد مندوب مصر أن جزيرتى تيران وصنافير مصريتان. كما أن السعودية فى ظل حالة العداء المستعر التى كانت بينها وبين مصر أثناء حرب اليمن فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، لم تطالب مصر – ولو لمرة واحدة – باستعادة الجزيرتين، ولم تطلب اللجوء إلى التحكيم الدولي للفصل فى هذا الموضوع.

وعندما عقد الرئيس أنور السادات معاهدة كامب ديفيد عام 1978، واتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، شملت الترتيبات الأمنية جزيرتى تيران وصنافير باعتبارهما جزيرتين مصريتين طبقا للحدود المصرية المعترف بها دوليا ولدى الأمم المتحدة. وبالتأكيد إذا كان لدى إسرائيل شك – ولو بنسبة واحد بالمائة – فى أن الجزيرتين سعوديتان، كانت قد رفضت عودتهما للسيادة المصرية، كما فعلت مع طابا، خاصة وأن جزيرة تيران فى غاية الأهمية للأمن القومى الإسرائيلى، فمضيق تيران هو المنفذ الوحيد إلى مضيق العقبة، وبالتالى إلى ميناء إيلات الإسرائيلى، ولعلنا جميعا نذكر أن غلق المضيق أمام مرور السفن الإسرائيلية فى عام 1967 كان السبب الرئيسي فى اندلاع الحرب. وأخيرا، عندما احتاجت الجزيرتان الدفاع عنهما وبذل الدماء من أجلهما فى الحرب مع إسرائيل، لم يكن هناك سوى مصر وجنودها الذين دفعوا أرواحهم دفاعا عن الجزيرتين ووثقوا بالدم ملكية مصر لهما، فالأرض لمن يستقر فيها ويرتبط تاريخيا بها ويدافع عنها عندما تتعرض للأخطار والأطماع.

إذن التاريخ يقول أن الجزيرتين مصريتان وليستا سعوديتين، ومع ذلك، سأضع تضحيات جنودنا البواسل والحقائق التاريخية السابقة جانبا، وأحاول فى الجزء الباقى من المقال الإجابة عن السؤال المطروح فى العنوان: ماذا لو أن جزيرتى تيران وصنافير سعوديتان لا مصريتان؟ وأن السعودية قد تخلت عنهما لمصر لتفادي ما يتطلب الدفاع عنهما من مواجهة مع إسرائيل الطامعة فيهما، وأن لها الحق الآن فى استعادتهما ثانية، فى مثل هذا الوضع، ما الذى يجب أن تفعله مصر تجاه جزيرتين فى غاية الأهمية للأمن القومي المصري؟ ما الذى يجب أن تفعله تجاه جزيرتين من أهم الجزر والمحميات الطبيعية والمناطق السياحية فى مصر؟ هل تتنازل ببساطة عن الجزيرتين لأن والدة رئيس الجمهورية قالت له ذات يوم: “ماتطمعش فى اللى فى إيد الناس، اللى عطى الناس بيعطيك”، أم تحتفظ بسيادتها عليهما، وتحتفظ بأوراق الضغط الجيوسياسية التى تملكها على إسرائيل لو اضطرت الأجيال القادمة إلى الحرب فى صراعها مع عدونا الحقيقى وخصمنا التاريخى، وتحتفظ أيضا بالإمكانيات السياحة المتوقعة للمنطقة فى عالم تتحكم فيه المصالح الاقتصادية لا النصائح الأبوية؟.

سأحكى لكم عن حرب اندلعت منذ خمسة وثلاثين عاما بين دولتين كبيرتين بسبب النزاع حول أحقية السيادة على جزيرتين أيضا، لعل وقائع هذه الحرب تجيب عن تلك الأسئلة.

فى عام 1982، قامت الأرجنتين بغزو جزر فوكلاند البريطانية. وجزر فوكلاند هى أرخبيل يقع فى جنوب المحيط الأطلنطى، ويتكون من جزيرتين كبيرتين ومئات الجزر الصغيرة تغطى مساحة قدرها 12 كيلو متر مربع، ويسكنها حوالى 2900 نسمة، وتتبع التاج البريطانى ولكنها أقرب إلى الأرجنتين جغرافيا، حيث تبعد عن السواحل الأرجنتينية مسافة 400 ميل فقط، بينما تبعد عن السواحل البريطانية مسافة 8000 ميل، ودائما ما كانت الأرجنتين تنظر لتلك الجزر باعتبارها جزءا منها، ولكن قرنين من الإستعمار البريطانى جعل سكان تلك الجزر بريطانيون حتى النخاع. وبعد الحرب العالمية الثانية حينما أرادت بريطانيا تسليم الجزر للأرجنتين رفض سكان الجزر تماما، واحترمت الحكومات البريطانية المتعاقبة رغبة سكان الجزر مما جعل أى تفاهم بين بريطانيا والأرجنتين حول الجزر مستحيلا، وقد استهدف الغزو الأرجنتينى لجزر فوكلاند فى هذا التوقيت، استعادة السيطرة على تلك الجزر وضمها للأرجنتين من ناحية، وتحويل أنظار الشعب عما تعانيه البلاد من أزمات اقتصادية وتزايد معدلات البطالة وتدهور لقيمة العملة تحت حكم العسكر من ناحية أخرى.

لنرى ماذا فعلت بريطانيا؟ وماذا قالت رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر للشعب البريطانى؟ هل قالت إن أمها أكدت عليها ألا تطمع فى ما يملكه الآخرون؟ كلا، هل قالت المرأة الحديدية إن الجزر أرجنتينية ولا تريد أن تسمع أى كلام آخر فى هذا الموضوع؟ كلا، هل تم تجييش الإعلام البريطانى للدفاع عن حق الأرجنتين فى ملكية الجزر؟ كلا، هل خرجت مظاهرات لمواطنين بريطانيين شرفاء ترفع العلم الأرجنتينى فى قلب العاصمة لندن، تهلل وترقص للتفريط فى الجزر البريطانية؟ كلا، هل تم اعتقال المتظاهرين المطالبين باستمرار السيادة البريطانية على الجزر وجرت محاكمتهم ومعاقبتهم بالسجن لمدد تتراوح من سنتين إلى خمس سنوات؟ كلا، هل طعنت الحكومة فى الحكم الذى أصدرته محكمة القضاء الإدارى البريطانية والذى يقضى باستمرار تبعية الجزر للسيادة البريطانية؟ كلا، إذن ماذا فعلت الحكومة البريطانية؟
اعتبرت بريطانيا ما جرى غزوا ضد أراضيها، وأرسلت أسطولها البحرى مسافة 8000 ميل وحاربت كى تستعيد الجزر، فقد أبحرت من موانئ بريطانيا حاملتان للطائرات، وعلى ظهر كل منها عشرين مقاتلة حربية، وأبحرت أيضا ست مدمرات، وثمان فرقاطات، وأربع سفن إنزال، وأربع غواصات منها اثنتين نوويتين، وأكثر من ستين سفينة قتال وتموين، إلى جانب 2500 جندى من مشاة البحرية، وحوالى 650 من المظليين وجنود الاستطلاع، ودخلت بريطانيا فى حرب ضد الأرجنتين استمرت لمدة 42 يوما، وأدت تلك الحرب إلى مقتل حوالى 260 جنديا بريطانيا وحوالى 650 جنديا أرجنتينيا، وانتهت بهزيمة الأرجنتين هزيمة ساحقة وبقاء جزر فوكلاند تحت السيادة البريطانية.

هكذا تتمسك الدول – الجديرة بكلمة دولة – بالأراضى التى تملكها، وإلى هذه الدرجة تقاتل فى سبيل الدفاع عنها، حتى لو كانت تحتلها أو تسيطر عليها بمنطق السيادة فحسب.

أمثلة كثيرة أخرى يمكن أن نقدمها لدول ـ حرفيا ـ تحتل أراضى غيرها وقاتلت عليها بشراسة: إسرائيل رفضت عودة طابا للسيادة المصرية وقاومت حتى آخر نفس، ولم تتنازل عنها إلا بعد لجوء مصر إلى التحكيم الدولى وست سنوات من المرافعات، وتركيا تحتل منذ عام 1939 لواء الإسكندرون السورى، الذى تبلغ مساحته قرابة نصف مساحة لبنان، وترفض التفريط فيه على الرغم من أن معظم سكانه من العرب.

هذا هو الأمر الطبيعى الذى يحدث بين الدول حينما تتنازع اثنتان على أراضى بينهما: إما اللجوء إلى التحكيم الدولى وإما اللجوء إلى الحرب، إنما أن تفرط دولة بسهولة شديدة عن أراضى، يشهد التاريخ أنها لها وسالت دماء المئات من جنودها عليها دفاعا عنها، وتستميت كى تتنازل عنها لدولة أخرى، وتنزعج بشدة لأن بعض مواطنيها أقاموا دعوى قضائية لإثبات ملكية هذه الأراضى لبلادهم، وتغضب وتثور لأن محكمة وطنية قضت بأحقية البلاد فى أراضيها، فتطعن قضائيا فى صحة الحكم، بل وتسرع حكومتها وتبعث إلى البرلمان بموافقتها على اتفاقية التنازل ليتم مناقشتها وإقرارها، بينما القضاء لم يصدر بعد حكما باتا ونهائيا فى القضية، فهذا أمر لم يعرفه التاريخ من قبل، ولن يعرفه من بعد، ولا يصدقه عقل ولا يقبله منطق ولا يتصوره خيال أكثر الروائيين جموحا.