في رثاء الوطن…!

أصبح مطلوباً منك أن تتأقلم وتتعايش مع العبث قانعاً أو خانعاً، وفي حالتي أنا أصبح لزاماً أن أكتب عنه شارحاً ومحللاً.. فيا للعبث!
في ظل العبث يصبح طرح الأسئلة بلا جدوى، والبحث عن إجابات مقنعة مضيعة للوقت، حتي إبداء الدهشة أو الاستياء صارا هما والعدم سواء، فالخيار المتاح الوحيد الآن بات أن تكف عن التفكير والتفسير، وأن تكتفي بترديد عبارة واحدة 3 مرات متتالية: “مفيش فايدة.. مفيش فايدة.. مفيش فايدة”.

لم يعد إسداء النصح للنظام أو تمني الأفضل معه يجدي نفعاً، بل صارت الحياة في ظل الأسوأ هي أفضل الخيارات.

لم يعد هجاؤه وقذفه هو وأنصاف رجاله بأغلظ العبارات مؤثراً أو ذي قيمة، فهل يخجل المخرف أو يعيبه إن صارحته بحقيقته صارخاً: “أنت اتجننت على فكرة”.

كلا، لم أغرق في الإحباط كما تظن، ولم يهزمني الاكتئاب كما توحي كلماتي، بل غدوت على حافة الجنون أتوسل بلوغ النهايات، فإن كان هذا النظام هو قدراً محتوماً، لا مفر منه ولا نجاة، لا رجاء فيه ولا خلاص، فلا تلومني حينها إن تضرعت إلى الله بالدعاء راجياً: “خدني بقى يا رب”.

جميل أن تزعم القوة والتحمل والمثابرة، ولكن ظلماً أن تطالبني بالصمود أمام مشاهد عبثية يستعصي على العقل إدراكها، فالإشارات الحمراء متوهجة، واللافتات التحذيرية بطول الطريق، فيما يصر النظام على المضي قدماً في المضمار المفضي إلى الهاوية برشاقة غزال، وثقة مقاتل، وعقلية تشكو من الضمور.

لا أقسو أو أتجنى على أحد، وإليك فيما يلي قليل من المشهد الذي نحيا، ومتروك لك الحكم والقرار:
الاستماتة في التفريط صارت واقعاً، وطبول المجد تقرع للخونة، ومشانق الخيانة تعلق للشرفاء، والصفوف الأولى محجوزة للجهلاء، وأنواط البطولة تمنح للسفهاء، والفشل له ألف تبرير، والكفوف تلتهب حرارة من شدة التصفيق لأفواه كاذبة، والإنسانية باتت ترفاً، والحقائق تاهت وسط أصناف شتى من الضلال، وإن سألوك عن الغد والأمل، قل لهم في أسى: “لقد مات الوطن”!

كيف يحيا الوطن وقد جثمت على صدره خفافيش الظلام، كيف يحيا بشرايين تسري فيها دماء النفاق، بقلب مجروح لا يقوى على احتمال النزق، بل آن للوطن أن يستريح من عناء المقاومة، فقد رحل الشهداء من قبله، والآن جاء دوره ليلحق بمواكب العظماء، ورجاء لا تقل أنا زائل والوطن باق، فالحياة وسط الركام والأطلال ليست بحياة.. بل مات الوطن، ولا عزاء لمن قتله وباعه على موائد الخيانة.

هل أكون بالغت وأخذتني سكرة المرض، فلو كنت، لماذا لا ينهض الوطن من قبوه وينفض عن نفسه غبار الركود والتخلف، لماذا يسمح للحمقى أن يتكلمون باسمه، لماذا يترك مصيره ليقرره من لايستحق، لماذا يقبل بحبس الأحرار ويذعن لبطش السجان، فإن كان الوطن فتياً عفياً لما رضي بالهوان، لاستل سيفه ووقف بجسارة يجتث رؤوس آلهة الفساد وصناع الوهم ومحترفي القفز على حبال الطغاة.

نعم، عشنا عمراً نقسم بتراب الوطن، نهتف بحماس لحياته وبقائه، نرفع راياته في أوقات النصر ونبكي لأجله إن تألم، ولكن ما وجدنا منه إلا التهميش والتحقير، فضلناه على أنفسنا وجعلناه أيقونة في قلوبنا، ولكنه آثر علينا أدعياء الوطنية وقارعو دفوف النفاق، فما عاد الوطن الذي عشقنا للمخلصين والأنقياء والمحبين، بل أصبح حكراً على المتشدقين ومحبي الذات واللاهثين خلف السلطة.

أنكرنا ذواتنا لرفعة الوطن فنكرنا لصوص الوطن، كانت أمانينا أن ندفن بأرضه، ولكن سرعان ما تبدلت الأماني ليصبح أقصى ما نحلم به هو سرعة الرحيل عنه، كنا نتغزل فيه ونكتب له الأشعار، والآن صرنا نبكيه وننعيه في المرثيات، فما تبدلت مشاعرنا من تلقاء أنفسنا، ولكن أزلنا القناع فرأينا الوطن وقد صار مسخاً دميماً، ينصاع لمن كرهوه ويبطش بمن عشقوه.

إن إراد الوطن أن يحفظ قليلاً من ماء وجهه الذي سال، أن يصون كرامة ذُلت وكبرياء تبدد، فليكسر أغلاله واحداً تلو الآخر، فليسحق جلاديه واحداً تلو الآخر، فما من طريق آخر يسلكه إلا طريق الحرية، إن أراد النجاة، فليفتح نوافذ الأمل علي مصراعيها ليسمع من جديد دوي هتافنا الذي طالما رددناه مقبلين لا مدبرين: “نموت نموت ويحيا الوطن”…!