غاية الفن (1- 2)

دائما ما كان الفن موضوعا لا لتأمل وإبراز الجمال فقط، وإنما للجدل حول أخلاقياته وغايته. وقد انقسمت الآراء حول هذا الموضوع لقسمين رئيسين: يرى القسم الأول أن الفن يجب أن يكون غائيا هادفا يحمل قيمة، وهم أنصار مقولة “الفن للمجتمع”، تقابلهم مجموعة أخرى ترفض تقييد الفن بأي قيود وضوابط معتبرة ذلك تكلفا ومثالية، إجراءً قاتلا للإبداع، وهم أنصار مقولة الفن للفن.

أي قضية تلقى قبولا لا بد أن هناك ظروفا أو مسببات دعت لوجود هذا القبول والنجاح لها، حتى أكثر القضايا خسة ووضاعة وأكثر الأوضاع ظلما لا تستمر إلا بقدر تعلقها بأذيال القضايا الشريفة وإدعائها أنها تلبي احتياجا ضروريا لللمجتمع.

ليس المبدع بالضرورة مفكرا، والإبداع وليد الحرية، والأمر في النهاية هو عبارة عن توظيف الإنسان لقدراته وأدواته في صناعة عمل مبتكر مثير للخيال، هل من العدالة الحكم على العمل الفني من خلال معايير غير فنية؟ ربما هذا ما يخطر في بال هؤلاء المنحازين لمقولة الفن للفن، بالإضافة طبعا لاستحضار الظلم الاجتماعي والإهمال الواقع على أشخاص موهوبين فنيا نتيجة توجهات متزمتة حولت الزهد إلى احتقار للجمال ينافي الفطرة. وهؤلاء لا ينكرون أن العمق المعنوي للعمل الفني يضفي جمالا وقيمة مضافة عليه، لكنهم لا يجعلونه شرطا لكونه مقبولا.

وقف الفلاسفة اليونانيون الثلاثة الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو في صف مدرسة “الفن للمجتمع”، لافتين النظر إلى أن الفن له تأثير بالغ، ولهذا يجب أن يتحلى الفنان بالمسؤولية ويبحث عن الحقيقة، وإلا فإنه قد يضر نفسه والمجتمع، فالواقع يقول إنّ الفنان حتى إذا لم تكن له رسالة جيدة أو سيئة فإن فنه يعكس عالمه الداخلي وأفكاره التي قد تكون خاطئة، بل وخطرة. وهذا الكلام لا ينطبق فقط على الفنانين، وإنما على مختلف سلوكيات الإنسان التي لا بد لها أن تكون أخلاقية ومتسقة مع المبادئ السليمة.

وإذا دققنا النظر قليلا سنرى أن القول بأن الفعل هو غاية نفسه كما في مقولة الفن للفن، غير منطقية، فالغايات لا تُدرك، ما يدرك هو الأهداف المرحلية، وسواء كان الإنسان يسير نحو هدف معين بخطى ثابتة مقصودة، أو يسير بلا هدى أو خطة وكلما لاح له قبسٌ مشوق طارده تاركا نفسه للحياة، فإن خطواته في الحياة تقوده في النهاية إلى مكان ما. إذن فالأفضل لنا أن نحمل الخريطة معنا من البداية، وأن نعرف المقاصد التي تستحق السعي إليها وتلك الأخرى التي يجب أن نبتعد عنها.

لقد آمن أرسطو بأن الفن يجب ألا يكون مصطنعا متكلّفا وأنه لا ينبغي الارتزاق من ممارسة الفنون الجميلة، وذلك يتحقق عنده بوجود مصدر دخل آخر يتيح للإنسان أن يمارس الفن دون ضغط مادي، والكثير سيسرعون هنا لانتقاد فكرة تحمل التكلفة والعمل بلا مقابل ويتساءلون عن وجه تعارض ذلك مع الأخلاق، وهم على حق في تساؤلهم هذا، حيث إن استثمار جزء كبير من الوقت والموارد في شيء: يستنزف الإنسان إذا لم يكن له مردود يساعد على استكمال النشاط، بالإضافة لأن الإنسان عندما تكون أمامه مواصفات فنية مطلوبة ومحفزات للعمل يتطور أداؤه. وهكذا تؤثر الغايات والأهداف متوسطة وبعيدة المدى لا على تطور الفن فقط، بل واستمرار وجوده من الأساس. وقد اتسم تصور أرسطو للفن هنا بالطبقية حيث كان يقول: “ارتباط المواطن بعمل يدر عليه أجرا هو أمر يحط من كرامة الرجل الحر.”

هل إصلاح المجتمع وإفادته بالضرورة فعل وعظي؟ لا؛ فالتعلم مثلا بغرض اتقان استخدام الأدوات الفنية -سواء كانت ريشة رسام أو قلم كاتب … إلخ- وكذلك استكشاف الفنان لحقيقة نفسه وقيمه وكذلك مجتمعه، حتى إضفاء الجمال على المنازل والمنتجات البشرية، وأي استخدام للفن يساعد في تطوير المجتمع بشكل صحيح هو فن هادف.

يقول ميلان كونديرا الروائي الفرنسي تشيكي الأصل: “بهذا المعنى إنما أفهم وأشارك عناد هيرمان بروخ عندما كان يكرر بلا هوادة: اكتشاف ما يمكن للرواية وحدها دون سواها أن تكتشفه هو ذا ما يؤلف مبرر وجود الرواية. إن الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود ما يزال مجهولا هي رواية لا أخلاقية، إن المعرفة هي أخلاقية الرواية الوحيدة”
ويقول أيضا عن الروايات التي كانت تصدر في روسيا الشيوعية: “هذه الروايات لا تكتشف أي جزء جديد من الوجود، وإنما تؤكد فقط على ما سبق وقيل، أكثر من ذلك، في التأكيد على ما يقال (ما يجب قوله) إنما يقوم سبب وجودها، وانصارها، وفائدتها في المجتمع الذي هو مجتمعها، فهي بعدم اكتشافها أي شيء لم تعد تشارك بتتالي الاكتشافات التي أطلق عليها تاريخ الرواية، إذا أنها تقع خارج هذا التاريخ. ليس موت الرواية إذن حدثا وهميا، فقد تم حدوثه! ([1])” (أي وقع في فترات كهذه من التاريخ)