عبد الله بن كثير.. قارئ مكة

تابعي جليل، فارسي الأصل، لقي من الصحابة أبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، أجمع أهل مكة على إمامته في القراءة، وتلقاها عن كثير من التلاميذ.

عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زادان بن فيروز بن هرمز، أحد القراء السبعة الكبار المشتهرين، ولد بمكة عام 45 هجرية، واخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن السائب المخزومي، بخلاف بين المؤرخين، كما أخذها يقينا عن مجاهد ودرباس مولى ابن عباس.. وقرأ ابن السائب على أُبي بن كعب وعمر بن الخطاب. وقرأ مجاهد على عبد الله بن السائب وعبد الله بن العباس. وقرأ درباس على عبد الله بن عباس، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب وزيد بن ثابت. وقرأ أُبي وزيد وعمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

وفي ترجمته بسير أعلام النبلاء يقول عنه الذهبي: “وثقه علي بن المديني وغيره، وكان رجلا مهيبا طويلا أبيض اللحية جسيما أسمر، أشهل العينين، تعلوه سكينة ووقار، وكان فصيحا مفوها واعظا كبير الشأن”. قال ابن مجاهد: ولم يزل عبد الله بن كثير هو الإمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى مات سنة عشرين ومائة.

اشتهر عن ابن كثير راويان: البزي وقنبل، فالأول هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، والبزة معناها الشدة، ولد سنة سبعين ومائة بمكة، وهو أكبر من روى قراءة ابن كثير، وتوفي سنة خمسين ومائتين، انتهت إليه مشيخة الإقراء بمكة، وكان مؤذن المسجد الحرام وإمامه أربعين سنة.

والثاني هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن محمد بن سعيد المخزومي المكي، وكنيته أبو عمرو، ولقب بقنبل، واختلف في سبب لقبه، فقيل لأنه من بيت بمكة يقال لهم القنابلة، وقيل لاستعماله دواءً يقال له قنبيل معروف عند الصيادلة لداء كان به فلما أكثر منه عرف به، ولد بمكة سنة خمس وتسعين ومائة، وتوفي بها سنة إحدى وتسعين ومائتين، كان إماما في القراءة متقنا ضابطا، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز. وهو من أجلِّ من روى قراءة ابن كثير وأوثقهم، وقدم البزي عليه لأنه أعلى سندا منه إذ هو مذكور فيمن تلقى عنهم قنبل.

قال الشاطبي في حرز الأماني: ومكَّةَ عبدُ الله فيها مَقامُهُ.. هو ابن كثيرٍ كاثُر القوم مُعتلى.. روى أحمد البزَّي له ومحمَّدٌ.. على سندٍ وهو الملقب قُنبلا.

ومن خصائص قراءة ابن كثير التي انفرد بها، ضم ميم الجمع ووصلهما بواو إن كان بعدها متحرك بلا خلف عنه، وقصر المد المنفصل وتوسط المتصل قولا واحدا، ووصل هاء الضمير بواو إن كانت مضمومة وقبلها حرف ساكن وبعدها حرف متحرك، نحو ” منه آيات” فيقرأها (منهو آيات) ويصلها بياء إن كانت مكسورة وقبلها ساكن وبعدها متحرك نحو “فيه هدى” فيقرأها (فيهي هدى).

كما انفرد بإسقاط همزة لفظة “القرآن” مع نقل حركتها إلى الراء قبلها، في جميع القرآن وصلا ووقفا، فيلفظها (القران)، وقرأ “فتلقى آدمُ من ربه كلماتٍ” بنصب آدم، ورفع كلمات، وأيضا قرأ كلمة “جبريل” في مواضعها الثلاثة، بفتح الجيم، وقرأ لفظه “القدُس” بإسكان الدال، وكذلك انفرد بقراءة كلمة “وكأين” و”فكأين” حيث وردت بألف بعد الكاف بعدها همزة مكسورة من دون ياء (وكائن). كما أفرد لفظة آيات، في قوله تعالى “لقد كان لكم في يوسف وإخوته آيات للسائلين” فيقرؤها (آية).

ومن خصائصه، إضافة حرف الجر “من” قبل كلمة جنات، في الآية رقم 100 من سورة التوبة (… رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار)، وكذلك كتبها عثمان في المصحف الذي جعله لأهل مكة، وباقي القراء يقرؤون بدونها (تجري تحتها) كما كتبت في بقية المصاحف العثمانية.. كما انفرد بقراءة “ومناة الثالثة الأخرى” بسورة النجم بهمزة بعد النون (مناءة)، كما اختص بقراءة كلمة “ضيزى” في نفس السورة بهمزة بدلا من الياء (ضئزى).

وانفرد البزي عن ابن كثير بتشديد التاء الواقعة في أول الأفعال المستقبلة فيما أصله تاءان وحذفت إحداهما خطا, وذلك حال وصل القراءة, أما عند الابتداء بهذه التاءات فالتخفيف لاغير.. ووردت هذه التاءات في إحدى وثلاثين موضعا في القرءان الكريم، منها: “ولا تيمموا الخبيث” بالبقرة، “ولا تفرقوا” بآل عمران، “ولا تعاونوا” بالمائدة، “ولا تنازعوا” بالأنفال.

أما قنبل عن ابن كثير فقد انفرد بقراءة كلمة صراط والصراط في جميع القرآن بالسين: (اهدنا السراط المستقيم- سراط الذين أنعمت عليهم- ويهديك سراطا مستقيما)، كما انفرد قنبل بقراءة كلمة ضياء حيث وردت بالهمزة بدلا من الياء (ضئاء).