ثلاثة أسئلة فى ذكرى الثورة

بعد مرور ستة أعوام على قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، أظن أنه من المفيد أن نتساءل عما يمكن أن يكتبه التاريخ عن هذه الثورة، مما لم يكن واضحا تماما فى السنوات الأولى التالية لقيامها. المؤرخون لا يكتبون مثلما يكتب المعلقون على الأحداث اليومية. فالمؤرخ لا يتوقف عند الحدث العارض، ولا ينشغل بالقصص الثانوية، ولا يحاول أن يشبع نهم القارئ لمعرفة الأخبار المثيرة. المؤرخ يحاول، بدلا من ذلك، استخلاص المهم من غير المهم، والتمييز بين الحادث الذى يمتد أثره إلى الأجل الطويل، وبين الحادث الذي ينتهى أثره بعد بضعة أيام وسرعان ما ينساه الناس.

هل مر وقت كاف على قيام الثورة لكي نقدم على محاولة من هذا النوع؟ على مدى التاريخ فإن الثورات الحقيقية استغرقت عقودا (الثورة الفرنسية لم يستقم لها الأمر إلا بعد ثمانين عاما)، حتى صار طول الأمد من سمات الثورات وأعرافها. والأهم من ذلك أنه ما من ثورة وقعت إلا وتعرضت للانكسار، وحين يحدث ذلك فإن عناصر الثورة المضادة تعود إلى سابق عهدها بصورة أكثر عنفا وشراسة، لأن سلوكها يكون مشوبا بالرغبة فى الانتقام واستئصال قوى الثورة التى أزاحتها. إذن، لا يزال الوقت مبكرا نسبيا لكى نقدم على تلك المحاولة، لكنى أظن أن هناك من الملامح ما قد يسمح لنا الآن بطرح بعض الأسئلة والإجابة عنها.

السؤال الأول: هل كان اندلاع الثورة صوابا أم خطأ؟
بصرف النظر عما أسفرت عنه من مكاسب وخسائر، فإن ثورة الخامس والعشرين من يناير سوف تظل تعبيرا عن لحظة اختار الشعب فيها أن يكسر القيود المفروضة عليه، ويحلم بالتغيير، وينزع عن نفسه الخوف والسلبية، ويغضب مطالبا بالحرية والمساواة. إن الثورة كانت بمثابة انفجار لبركان الغضب المتراكم فى الأعماق المصرية منذ عقود، وهذا الانفجار هو الذى أطلق الأحلام المحبوسة التى تعلقت بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؛ لذلك نستطيع أن نقول إن اندلاع الثورة لم يكن صوابا أو خطأ، بل كان أمرا حتميا لإعلان ثورة المواطن المصرى ضد الظلم السياسى والاجتماعى معا. وإذا كانت مطالب الثورة وأحلامها لم تتحقق، فإن هذا لا يعنى إنكار حقيقة نزول الملايين إلى الشوارع والميادين، ولا التقليل من شأن التضحيات التى بذلها الشعب المصرى ودفع ثمنها غاليا، ولا اعتبار ما جرى مؤامرة خارجية. إن المؤامرة كان لها دورها ووجودها حقا، لكن ذلك لم يكن له علاقة بقيام الثورة وإنما بمحاولات إفشالها أو إجهاضها.

السؤال الثانى: هل نجحت الثورة فى تحقيق أهدافها أم أخفقت؟
نجحت الثورة فى بدايتها نجاحا كبيرا، وعقد عليها غالبية المصريين آمالا عظيمة، فقد أسقطت فى ثمانية عشر يوما نظاما استبداديا عتيدا ظل يسيطر على البلاد لثلاثة عقود، وقضت على مشروع التوريث، ودفعت بالمصريين عدة خطوات إلى الأمام، أو على الأقل سمحت لتطورات مهمة كانت تجرى تحت السطح فى المجتمع المصرى لعدة سنوات قبل الثورة، بأن تصعد إلى السطح وتدفع المصريين عدة خطوات إلى الأمام، لكن سرعان ما تحول النجاح إلى إخفاق وسرعان ما تحول الأمل إلى ألم، وتحولت الفرحة التى عمت قلوب ونفوس المصريين جميعا إلى حالة دائمة من اليأس والحزن والإحباط، خاصة مع الدماء الكثيرة التي سالت عقب الثورة واستمرت حتى اليوم، وتحولت أهداف أو أحلام الثورة: العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، إلى كوابيس من العنف والحقد والكراهية والاستقطاب السياسى الحاد.

لقد بدت الثورة فى أيامها الأولى كزهرة جميلة يانعة، فأراد الجميع قطف هذه الزهرة والاستئثار بجمالها وعطرها دون سواه، فتمزقت وتساقطت أوراقها بينهم، فلم يستفد منها أفراد الشعب، ولم يستفد منها أى فصيل أراد أن يقطفها وحده. الكل أراد مصلحته الخاصة وأعلى من طموحاته السياسية وتطلع نحو السلطة، ولم يسع أحد إلى القيام بإصلاحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية حقيقية أو حتى الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار. لذلك كان حصاد الثورة بعد مرور ستة أعوام على اندلاعها أقل بكثير جدا من الآمال التى كانت معقودة عليها.

السؤال الثالث: هل ماتت الثورة أم لا تزال مستمرة؟
بعد سقوط آلاف الشهداء والمصابين من المدنيين ومن رجال الشرطة والجيش، وبعد وقوع العديد من المذابح والحرائق والتفجيرات والأعمال الإرهابية، وبعد الاستفتاء على تعديل دستورى ودستورين مختلفين، وبعد خوض أربعة انتخابات برلمانية ورئاسية، وبعد ركود الاقتصاد وتراجع السياحة وتناقص الاستثمار الأجنبى، بعد كل هذا وأكثر منه، لا شك أن المصريين قد أصابهم الوهن والتعب والإرهاق، ولم يعد لديهم استعداد للقيام بموجة ثورية جديدة، وأكاد أقول أن الكثير من أفراد الشعب قد كرهوا كلمة الثورة، فقد أصبحت الكلمة عندهم مقترنة بالفوضى، والانفلات الأمنى، والانحدار الأخلاقى، ومرتبطة بالبطالة، وغلاء الأسعار، وانقطاع الكهرباء، ونقص الوقود، وكل الأزمات المعيشية التى عانوا منها منذ اندلاع الثورة. ولا أظن أن هذا محل خلاف لأنه ليس فى مصر من لم يدفع ثمن ما مر به البلد خلال الأعوام الستة الماضية، حتى وإن كان البعض قد دفع ثمنا أقل من غيره. لذلك لو دعا الثوار اليوم الشعب إلى النزول فى ثورة جديدة، فلن يلقوا استجابة مماثلة لتلك التي جرت فى الأعوام الأولى من الثورة، ليس لأن الشعب راض عن النظام السياسى القائم، وسعيد بالوضع الاقتصادى والمعيشى الصعب الحالى، وإنما لأن إخفاقات الثورة قد تسببت فى انحسار ثقة الناس فى الفعل الثورى وتراجع استعدادها للتضحية وتفاؤلها بالمستقبل.

لا أقول هذا لكى أشيع روح اليأس فى النفوس، وإنما لنغلق صفحة ونبدأ صفحة جديدة من النضال. ثورة الخامس والعشرين من يناير انكسرت، وأغلبية طوائف الشعب المصرى أنهكت من مشاق وتحديات الأعوام الستة الماضية، تلك حقيقة لا بد أن نعترف بها على الملأ كما نعترف بها فى أعماقنا، حتى لا ندفن رؤوسنا فى الرمال. ومع ذلك فإن هذه الحقيقة المؤلمة لا تعنى أبدا أننا قد وصلنا لنهاية المطاف، لأن الثورة لم تمت، ولا تزال طريق مصر للتغيير، بشرط تقديم صورة جديدة تستلهم الثمانية عشر يوما الأنبل فى تاريخ مصر، وتعترف بأخطائها، وتعمل على بناء بديل أو عدة بدائل سياسية قادرة على الفعل والضغط السياسي على النظام القائم.