الكنز الإسرائيلى فى “تيران وصنافير”

لا أعتقد أن أحدا فى مصر لا يعرف أن تنازلنا عن جزيرتى تيران وصنافير للسعودية ، يجعلنا نعطى لإسرائيل، بدون أى مقابل ، كنزا استراتيجيا لا يقدر بثمن ، فملكية السعودية للجزيرتين يجعل من خليج تيران ممرا بحريا دوليا وليس ممرا إقليميا تابعا لمصر، تستطيع سفن إسرائيل المرور به دون أى عوائق، ومع ذلك فإن حكومتنا تسعى بنشاط محموم للتنازل عن الجزيرتين مستخدمة كل الألاعيب القانونية ، وكأنها تقوم بمهمة مقدسة، تستخف من أجلها بقضايانا الإستراتيجية، وبأمننا القومى، وبمواد الدستور، وبأحكام القضاء، وقبل ذلك بحقائق التاريخ والجغرافيا التى تؤكد بما لايدع مجالا للشك مصرية الجزيرتين منذ آلاف السنين!

قد يكون هناك عذرا لحكومتنا فى تقديم هذا الكنز لإسرائيل، إذا كانت حكومة نتنياهو قد وافقت مثلا على قيام دولة فلسطينية فى الضفة وغزة ولا أقول أعطت كل فلسطين لأصحابها الأصليين، أو إذا قبلت عودة القدس الشرقية للعرب، أوحتى استجابت للدعوات المطالبة بإخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، وفككت ترسانة الرءوس الذرية التى تهدد بها العرب وأولهم مصر، فإسرائيل ترفض من الأساس مجرد الدخول فى مفاوضات حل الدولتين، وتتحدى قرارات الشرعية الدولية التى تطالبها بوقف بناء المستوطنات فى الأراضى الفلسطينية، ورغم كل ذلك تكافئها حكومتنا بهذه الهدية التى تقدم لها المزيد من القوة والغطرسة لسلب المزيد من الحقوق الفلسطينية، بل وتهديد أمننا القومى!.

قد يقول مؤيدو الحكومة أنها تمتلك الحق فى تبنى سياسات جديدة تتيح لها تحسين العلاقات مع إسرائيل، لكن ما تفعله الحكومة هو فى جوهره انقلاب استراتيجى كامل الأوصاف على كل ثوابتنا القديمة وحقوقنا الديمقراطية، يفرض عليها أن تعرض على الشعب بوضوح وشفافية تامة تصوراتها عن طبيعة علاقتها مع الكيان الصهيونى، حتى لو وصل إلى حد تنفيذ خطة “توسيع اتفاقية كامب ديفيد” ، أو حتى اقتراح إقامة وحدة اندماجية معه، وعلى الشعب أن يقبل أو يرفض، ولكن أن تتصرف الحكومة بهذه الطريقة التى تتجاهل بها حقه فى اختيار مصائره الإستراتيجية، فهذا مالا يمكن قبوله إطلاقا، لأنه يجعلها هدفا مشروعا لاتهامات خطيرة لا تخفى على أحد.

خلال تعاطيها مع قضية تيران وصنافير، حولتنا الحكومة إلى “عزبة” بلا صاحب وليس “شبه دولة” كما كنا نعتقد، ضربت بأحكام الدستور عرض الحائط، تحايلت على المادة 190 منه والتى أعطت مجلس الدولة الحق الحصرى الوحيد فى وقف الأحكام الصادرة عنه، وقدمت استشكالا لمحكمة الأمور المستعجلة لوقف حكمه ببطلان إتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، كما تحايلت على المادة 151 التى لا تجيز التنازل عن أى جزء من أراضى الوطن، بتقديم كل الحجج الباطلة للتنازل عن الجزيرتين، وتجاهلت كل الخرائط والوثائق التاريخية المعتبرة التى تؤكد مصريتهما، فى سابقة لم تحدث طوال التاريخ في أي نزاع بين دولتين على الجزر أو الأراضي.

توقيت سعي الحكومة للتنازل عن الجزيرتين يثير الكثير من التساؤلات المهمة، حول طبيعة ارتباط هذه الخطوة بترتيبات أمريكية – إسرائيلية تستهدف رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، تتضمن تقسيم عدة دول عربية على أسس قومية وطائفية، على رأسها سوريا والعراق وربما السعودية أيضا بعد دخول ترامب البيت الأبيض، بما يتيح لإسرائيل هيمنة سياسية وعسكرية مستقرة بشكل قانونى على كامل الإقليم، وهى أوضاع تتعامل معها الحكومة بخفة تثير الإستغراب، تفتح الباب أمام تفسيرات تضع النظام فى مصر بكل مؤسساته فى حرج بالغ.

فى مثل هذه القضايا، لا يمكن استبعاد الشعوب من إبداء رأيها فيها، ولا يمكن مصادرة حقها فى تحديد خياراتها تحت أى سبب من الأسباب ..وهو أمر تتجاهله حكومتنا، مع سبق الإصرار والترصد، رغم عواقبه الوخيمة التى فيما يبدو لا تخفى على أحد سواها!