أبو عمرو بن العلاء.. قارئ البصرة

يصفه أبو بكر بن مجاهد في كتابه “السبعة” بأنه “كان مقدما في عصره، عالما بالقراءة ووجوهها، قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية، وكان مع علمه باللغة وفقهه في العربية متمسِّكا بالآثار، لا يكاد يخالف في اختياره ما جاء عن الأئمة قبله… قرأ على أهل الحجاز، وسلك في القراءة طريقهم، ولم تزل العلماء في زمانه تعرف له تقدمه وتقر له بفضله، وتأتم في القراءة بمذهبه، وكان حسن الاختيار، سهل القراءة، غير متكلِف، يُؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل”.

أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين المازني التميمي البصري، أحد القراء السبعة الكبار المشتهرين بديار الإسلام جميعا، ولد بمكة عام 68 للهجرة، وتلقى القراء عن كبار الشيوخ في الحجاز والكوفة والبصرة، فهو أكثر القراء السبعة شيوخا، وفي قائمة أساتذته نطالع أسماء أبي جعفر يزيد بن القعقاع، ويزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح، وعبد الله بن كثير، ومجاهد ابن جبر، والحسن البصري، وأبي العالية رفيع بن مهران الرياحي، وحميد بن قيس الأعرج المكي، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن عبد الرحمن بن محيصن، وعاصم بن أبي النجود، ونصر بن عاصم، ويحيى ابن يعمر.. وكل هؤلاء بأسانيدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

لعدة قرون، انتشرت قراءة أبو عمرو البصري، حتى قال الإمام ابن الجزري: “فالقراءة التي عليها النَّاس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو، فلا تكاد تجد أحدا يُلَقَّنُ القرآن إلا على حرفه”.. أما في العصر الحالي، فتنتشر رواية الدوري عن أبي عمرو في الصومال والحبشة وبعض مناطق السودان، فهي من الروايات القليلة التي مازالت حية، لذا سجل الشيخ محمود خليل الحصري ختمة مرتلة بها.

كان القارئ الكبير صاحب حكمة وموعظة، ومما نقله الأدباء من نصائحه، ما رواه الأصمعي إذ يقول: قال لي أبو عمرو: كن على حذر من الكريم إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لا يجيبك، أو تحدِّث من لا ينصت لك.

أما تلامذته فلا يكاد يحيط بهم حصر، وممن وروى عنه القراءة عرضا وسماعا شجاع بن أبي نصر البلخي، والعباس بن الفضل، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن المبارك، وسيبويه، ويونس بن حبيب شيخا النحاة، وأبو زيد سعيد بن أوس، وسلام بن سليمان الطويل، وسهل بن يوسف.

كما تتلمذ عليه في النحو أعلام، منهم سيبويه، والخليل بن أحمد، ويحيى اليزيدي، ويونس بن حبيب، وأخذ عنه الأدب أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي ، ومعاذ بن مسلم النحوي.

وقد شهد له كثير من الأعلام، فيقول يونس بن حبيب النحوي: لو كان هناك أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء لكان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء.. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: كان أبو عمرو علاّمة زمانه في القراءات والنحو والفقه ومن كبار العلماء العاملين.. وقال أبو عبيدة: كانت دفاتر أبي عمرو ملء بيت إلى السقف ثم تنسك فأحرقها وتفرغ للعبادة وجعل على نفسه أن يختم في كل ثلاث ليال.

ويروي بعض المؤرخين عن أبي عمرو أنه قيل له: متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دامت الحياة تحسن به.. ومر الحسن البصري بأبي عمرو وحلقته مزدحمة، والناس عكوف على درسه، فقال الحسن: من هذا ؟ فقالوا : أبو عمرو.. فقال: لا إله إلا الله ، كاد العلماء أن يكونوا أربابا.

وللإمام أبي عمرو البصري راويان، هما الدوري والسوسي، فالأول هو حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صُهبان بن عدي بن صهبان الدوري الأزدي البغدادي النحوي المقرئ الضرير راوي الإمامين أبي عمرو والكسائي، وكنيته: أبو عمر، ولقبه الدوري، نسبة إلى الدور، موضع ببغداد، ولد سنة خمسين ومائة وتوفي سنة ست وأربعين ومائتين.. إمام القراء في عصره، وهو أول من جمع القراءات وصنف فيها.

والثاني هو صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن الجارود السوسي الرقي، كنيته أبو شعيب، وتوفي بالرقة أول سنة إحدى وستين ومائتين وقد قارب التسعين، مقرئ، ضابط، محرر، ثقة.

وكلا الراويين لم يأخذ القراءة عن أبي عمرو مباشرة، وإنما أخذها بواسطة، عبر أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، وهو ما أشار إليه الإمام الشاطبي في حرز الأماني بقوله: وأما الإمام المازنيُّ صريحَهُم.. أبو عَمرو والبصري فوالدُهُ العلا.. أفاض على يحيى اليزيدي سيبه.. فأصبح بالعذبِ الفُرات معللا.. أبو عُمَرَ الدوري وصالحهم أبو.. شُعيبٍ هو السوسيُّ عنه تقبَّلا.

وانفرد أبو عمر البصري، بقراءة “وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة” في البقرة، و”وإذ واعدنا موسى ثلاثين ليلة” بالأعراف و”ووعدناكم جانب الطور الأيمن” بطه، بقصر لفظة واعدنا (وعدنا)، وقرأ كلمة “رسلنا” و”رسلكم” و”رسلهم” حيث وقعت في جميع القرآن بإسكان السين.
واختص أيضا بقراءة “يأمركم” و”يأمرهم” و”تأمرهم” و”ينصركم” و”يشعركم” بإسكان الراء، وكذلك اختص برفع كلمة “كله” من قوله تعالى في سور آل عمران “قل إن الأمر كله لله”.. واشتهرت رواية الدوري بإمالة ألف لفظة “الناس” في حالة الجر، كما اشتهرت رواية السوسي بالإدغام الكبير، مثل “الرحيم ملك”، و”فيه هدى”.