مراد هوفمان.. الإسلام بديلا.. رؤية كاشفة

عندما يتحدث دكتور مراد همفريد هوفمان عن العديد من العُقًد الحاكمة للغرب بشأن الإسلام؛ فإن علينا أن نتبصر حقيقة ما تتضمنه تلك الرؤية الكاشفة لأسباب كثير من الممارسات الإجرامية الغربية تجاه الإسلام والمسلمين على مدى أربعة عشر قرنا، لم تهدأ فيها نيران الحقد على شريعة محمد من يوحنا الدمشقي إلى سلمان رشدي وتسليمة نسرين، وغيرهما.. ولعل تلك الكراهية التي أشعلت حربا بلا هوادة لم تضع أوزارها حتى الآن- منبعها تلك المعرفة المعمقة بالقوة الكامنة في هذا الدين التي تمنحه القدرة على التمدد والانتشار في أصعب الظروف ناهيك عن الصمود ومواجهة كل محاولات التشويه الداخلية قبل الخارجية.

 

الدكتور هوفمان الحاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد، والخبير النووي بحلف شمال الأطلنطي، والدبلوماسي الألماني والسفير لدى الجزائر والمغرب، والذي عمل لسنوات طويلة متخصصا في نقد فن الباليه، والذي كان يعتبر من أمهر متذوقي الخمور الأوروبيين.. قرر التحول إلى الإسلام في عام 1980، قبل أن يحتفل بعيد ميلاده الخمسين، وكان هذا بمثابة إعلان عن الاستسلام التام لأمر ملك عليه كيانه منذ فترة ربما جاوزت العقود الثلاثة، وهو لا يخفي تأثره بالمواقف البطولية التي عاينها بنفسها لثوار الجزائر قبيل الاستقلال، والتي جعلته يقارن بين الغربي الذي تحكمه النزعة الاستعلائية، وهو مستسلم تماما لروح الانتقام المجنونة التي تلبسته، وأدخلته في دائرة العنف غير المبرر في إشارة إلى ما قامت به منظمة الجيش السري وهي منظمة إرهابية فرنسية ارتكبت فظائع لا مثيل لها في الجزائر في مطلع الستينات من القرن الماضي- وبين ذلك الجزائري الذي قاوم هذا الإرهاب البشع بإيمان عميق وصمود ورباطة جأش إلى حد لا يمكن تصوره؛ وقد عزا هوفمان كل ذلك لقوة الدين الإسلامي في نفوس الجزائريين.. ثم تأكدت لديه تلك الشواهد بعد الفترة التي قضاها في المغرب سفيرا لبلاده؛ بما رآه من الطبيعة السمحة والوادعة لأهل تلك البلاد.

 

يرصد الدكتور هوفمان بعين الخبير الذي لا يكف عن المقارنة بين واقعين شديدي التباين- هذا التوازن الدقيق بين المادة والروح في الإسلام، فإذا كانت الآخرة هي دار الجزاء فإن الدنيا هي دار العمل، وهي تتطلب خضوع المسلم لضوابط توفر عليه التيه في صحراوات من الأباطيل، بينما الأمر لا يحتاج سوى الاستسلام للفطرة؛ فالإسلام حسب تعبيره” دين شامل وقادر على المواجهة، وله تميزه في جعل التعليم فريضة، والعلم عبادة … وإن صمود الإسلام ورفضه الانسحاب من مسرح الأحداث، عُدَّ من جانب كثير من الغربيين خروجا عن سياق الزمن والتاريخ، بل عدّوه إهانة بالغة للغرب”. وهذا ما يبرر شيئا من ازدواجية المعايير لدى الغرب، ففي حين يرى الغرب أضحية المسلمين في العيد عملا وحشيا- يغض الطرف عن قتل مئتي ألف إنسان واغتصاب خمسن ألف امرأة وتشريد الملايين في قلب أوروبا أواسط التسعينات من القرن الماضي؛ لا لشيء إلا لكونهم مسلمين.

 

لذلك يرى هوفمان أنه من المتوجب على المسلمين إن هم أرادوا حوارا بناءً مع الغرب، أن يغيروا كثيرا من الأمور المستقرة لديهم منها مثلا ذلك الأسلوب الاعتذاري التبريري الذي يعتمدونه عند مخاطبة الغرب، كما أن عليهم أن يثبتوا وجودهم بكل وسيلة ممكنة مع العمل على توسيع مجالات التأثير الثقافية والفكرية بإحياء فريضة الاجتهاد التي تجدد واقعيا الدين الإسلامي، وهي الوحيدة التي تجعله مؤهلا ليكون”… الحل الوحيد للخروج من الهاوية التي تردّى الغرب فيها، باعتباره الخيار الوحيد للمجتمعات الغربية في القرن الحادي والعشرين” كما أن الإسلام بإمكانه أن يمثل “الحياة البديلة بمشروع أبدي لا يبلى ولا تنقضي صلاحيته، وإذا رآه البعض قديما فهو أيضا حديث ومستقبليّ لا يحدّه زمان ولا مكان، فالإسلام ليس موجة فكرية ولا موضة، ويمكنه الانتظار”.

 

الإسلام الذي يحاول الغرب دائما أن يصمه بالعداء للفنون.. يراه هوفمان دينا يولي الفن عناية خاصة جدا؛ بل إنه يذهب لأبعد من ذلك فيقول إن السر يكمن في الحضور القوي لروح الإسلام البادية بشكل شديد الحميمية في كل مظاهر فنونه، بدءا من الخط العربي بتنويعاته الساحرة؛ كذلك في فن الأرابيسك ونقوش السجاد، وعمارة المساجد وأسرار إضاءتها، والقصور الإسلامية وطريقة بنائها الموحية باتجاه الحركة إلى الداخل؛ لذلك يريد د. مراد لفت انتباه المسلمين إلى ما يمثله الفن في الإسلام من قوة جذب هائلة، فهو كأحد المتخصصين في فن الباليه، وكباحث دؤوب في أصول علم الجمال- كان قد توصل إلى أن الحركة وما تنطوي عليه من مخاطرة هو ما يستحوذ على الانتباه البشري، ويثير شغفه، كما أن الإعجاب بحركات الطرد المركزي ربما كان مردُّه إلى كونها موحية باللانهائية.. ثم أنه لاحظ ذلك في فنون الإسلام التي تمنح من خلال سكونيتها حركة داخلية تشي بالقدرة الإنسانية واللانهائية في إطار من الروحانية التي يتسم بها الدين الإسلامي.

 

ربما كان أهم ما استشعره دكتور هوفمان أثناء جولاته المتكررة في المدن الإسلامية العتيقة مثل دمشق والقاهرة وفاس أن الفن الإسلامي ينظم ذروة حيوية لا تقيم حواجز بين الناس بقدر ما تمنحهم من ارتياح مبعثه في الأصل فكرة المساواة بين البشر، مع استبعاد أي مؤثرات للتمييز لأنها تجافي تلك الأجواء المغلفة بالطمأنينة، والتي تستند إلى وحدانية الإله المحب لخلقه دون مفاضلة إلا على أساس التقوى والعمل الصالح.

 

يتناول الدكتور هوفمان في رؤيته أيضا أمرين من الأهمية بمكان، الأمر الأول هو التحريم القطعي للخمر في الإسلام، وهو أمر ينظر إليه الغرب باستنكار بالغ برغم أن الفاتورة التي يدفعها الغرب بسبب انتشار تعاطي الخمور في المجتمعات العربية باهظة إلى حد كبير، والدكتور هوفمان نفسه كاد يقفد حياته بسبب القيادة المتهورة لأحد السائقين المخمورين، وكان هوفمان في العشرين من عمره آنذاك، وقد نجا من الموت بأعجوبة، عزاها الطبيب المعالج لأمر خطير تخبئه العناية الإلهية لهوفمان، فسره بعد ذلك د. مراد بأنه تعرفه على الإسلام واعتناقه إياه.. يرى د. مراد أن الغرب قد فشل في كل محاولاته الرامية إلى الحد من الآثار المدمرة لانتشار إدمان الخمور خاصة بين الشباب، في المقابل نجح الإسلام في التصدي للمشكلة باقتدار، مما يؤكد أن نهجه هو الأجدى إن لم يكن الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه.

 

الأمر الثاني هو الصلاة في الإسلام وما تمثله من قيمة إذا افتقدت لا يبقى للمرء من إسلامه شيئا حسب ما يرى دكتور هوفمان، كما يرى أن الصلوات اليومية في الإسلام هي السبيل الوحيد للنجاة من الآثار المدمرة للتوتر العصبي الذي يحدثه تلاحق الاحداث والمستجدات في عالم أصيب بالجنون.

 

ومما يجدر ذكره في نهاية هذا الاستعراض السريع لرؤية دكتور مراد هوفمان بشأن الإسلام وطرحه بديلا أو حلا لما يعانيه الغرب من مشكلات وأزمات، يتوجب الإشارة إلى أمرين هامين أولهما أن الغرب لم يخذل هوفمان، ولم يجعله يغير من وجهة نظره، إذ قوبل إسلامه بحملات من الهجوم والتشهير لم تتوقف إلى يومنا هذا..الأمر الثاني يتعلق باستجابات على المستوى النظري والعملي لما طرحه هوفمان في رؤيته، وهذا الاستجابات باتت ضرورية ولا غنى عنها في ظل إفلاس فكري وروحي يجتاح الغرب ويتهدد وجوده، برغم التقدم التكنولوجي الذي يبدو أنه لن يمثل عائقا قويا أم تغيرات دراماتيكية ينتظرها الغرب وخاصة أوروبا دون أن تملك حيالها رادعا قويا؛ فهل يكون الإسلام هو البديل كما يطرح هوفمان أم أن الأمر لا يعدو كونه جموحا عاطفيا لا اكثر!