من أين يتلقى السيسي الأوامر؟!

(1)
قَدِّم يا أبو العطا.. يقدم أبو العطا، اسحب يا أبو العطا.. يسحب أبو العطا، صَوَّت يا أبو العطا يصوت أبو العطا..!
هذا لسان حال ممثل السيسي في مجلس الأمن قبل ساعات من التصويت على القرار الأممي 2334 الخاص بإدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأرض المحتلة، لكن “السؤال العميق”: هل كان السيسي هو صاحب الإرادة والقرار؟، وهل كان بإمكانه أن يفعل غير ذلك؟!، أم أنه كان ينفذ صاغراً ما يملى عليه؟

(2)
الإجابة ليست في “لقطة السقوط” ذاتها، لأنها مجرد لقطة في مسلسل تراجيدي طويل، بدأ ومصر قوية كبيرة يقودها الناصر صلاح الدين في دور البطولة، ومع الهوان والخنوع صارت مصر ضعيفة، تابعة، مأمورة، تتلقى التعليمات بالتليفونات، فلم تعد تحتاج إلى “بطل”، وإنما إلى “عسكري سيكا”.. يؤمر ولا يأمر، يحمل الحقائب، ويوصل الرسائل، يسمع ولا يفكر، وكل همه أن ينال الرضا ويتجنب العقاب، لكن “السؤال العميق” هذه المرة: ترى من هو الضابط الذي يعمل في خدمته عسكري السيكا؟

(3)
الإجابة القديمة الجاهزة عن التبعية لواشنطن، لم تعد صحيحة تماماً، صحيح أن السادات اعترف بها علناً مؤكد أن أوراق اللعبة في يد السيد الأمريكي وحده، وسار مبارك على نهج سلفه دون تغيير، لكن الحال تغير بعد رياح الربيع العربي، وتعدد الأسياد اللاعبين في المنطقة، خاصة وأن طول فترة “الخدمة” كرست نفسية “الخادم المطيع” داخل حكام التبعية والخنوع، فصاروا يُقبِّلون كل الأيدي القوية، ويأتمرون بأمر كل كبير وقوي، رأيناها مع أوباما وهيلاري كلينتون، ورأيناها مع بوتين، ومع ديفيد كاميرون، ومع أولاند، وفي انحناءة السيسي للملك عبد الله داخل طائرته، وفي تقبيل اللحى الخليجية، والاستجداء المهين لتحويلات “الرز، ثم رأيناها في العشق الحرام لنتنياهو، والذي بدأت فصوله تتكشف وأسراره تنفضح بعد غزلية السلام الدافئ في أسيوط منتصف مايو الماضي!
(4)
فاكرين طبعا ان السيسي كان يتحدث في افتتاح محطة كهرباء في أسيوط، لكنه فجأة قطع حديثه المعتاد عن إنجازاته ومعجزاته، ليتحدث عن القضية الفلسطينية، واستعداد مصر للعب أي دور من أجل تحقيق السلام والأمان لإسرائيل ولدولة فلسطينية تسفر عنها المفاوضات الثنائية المباشرة بين الطرفين بمساعدة مصر، التي تنعم بالأمان بعد 39 سنة من السلام مع إسرائيل، لكن حل القضية الفلسطينية، سيجعل السلام “أكثر دفئاً”.
(5)
في تلك الليلة هاتفني واحد من الكبار المهتمين بهذا الملف، وبعد التحية وكلمات المجاملة اللطيفة سألني: مش هتكتب عن مبادرة الرئيس العظيمة؟
– مبادرة إيه.. تصريحاته الغريبة أسيوط؟
* غريبة ليه، دي واقعية جداً، وهتغير وجه المنطقة، وتعيد لمصر دورها الكبير
استفاض الرجل في الحديث عن عظمة المبادرة، وفائدتها في تحقيق الرخاء والأمان: يعني لو جت لك فرصة تشاركني في بيزنس.. مين اللي هيبقى كسبان: أنا وللا أنت؟، قلت له ضاحكا: أنا طبعاً، أنا معايا إيه تكسبه مني؟.
فقال: نفس الوضع بينا وبين إسرائيل، هما عندهم التكنولوجيا والخبرة والقوة ورؤوس الأموال، واحنا عندنا الزبالة وفيروس سي والتخلف، يبقى لازم نحل المشاكل اللي بتعطل التعاون، والقضية الفلسطينية عقبة، لو ساعدنا على حلها، هنكسب والمنطقة كلها هتكسب.
لم تكن لدي رغبة في النقاش مع عقلية نفعية بهذا الشكل، فسألته باللغة التي يفهمها: وهوه يقدر؟
صمت لحظة من أثر الصدمة، ثم سألني لمجرد الحصول على وقت للتفكير في رد: تقصد مين؟

قلت بسرعة واستخفاف زاد من ارتباكه: أقصد السيسي.. يقدر ينفذ الكلام ده، وللا بيناشد ويستعطف، وللا بيعلن سيناريو طرف تاني طلبه منه،…؟
تحول الارتباك إلى توتر وحدة، وهو يسألني: حد زي مين؟.. أكيد بيتكلم من منطلق وطنيته ورغبته في مساعدة الفلسطينيين.
سألته: أي طرف من الفلسطينيين؟.. هيحدف على عباس والسلطة، وللا هينقل على دحلان ودهاليزه المشبوهة، وللا هيفتح مع حماس، وللا هيبذل مجهود في مصالحة فلسطينية تسفر عن جبهة موحدة لدخول ماراثون المفاوضات، وللا كل دي شكليات وبيلعب لصالح حد تاني؟
عند هذا الحد، دخلت المكالمة في حالة برود، وحارة سد، وانتهت على غير ما بدأت.
(6)
بعد ساعات كانت إسرائيل تمتدح السيسي ومبادرته، بالرغم من أنها تخلو من أي جديد ومن أي جدية، امتدحها نتنياهو رئيس الحكومة الاستيطانية التي تستند إلى مفاهيم شمعون الحمشوني، وامتحدها هيرتزوج زعيم المعارضة المناهض لنتنياهو، وأشادت بها الصحف في اليوم التالي، وعلى غير عادتها مع زعماء العالم من خارج الكيان الصهيوني أذاعت وسائل الإعلام تصريحات السيسي أكثر من مرة، وبدا أن إسرائيل في حالة ابتهاج وكأنها تدافع عن مبادرة هي صاحبتها، وهرع وزير الخارجية جون كيري إلى القاهرة، للقاء السيسي، وبدا واضحا أن الأمور في الكواليس غير ما تظهر على السطح، فهناك مبادرة فرنسية تائهة منذ عام وأكثر، لا تجد من يتبناها، وعندما جددها وزير الخارجية لوران فابيوس، اعترض عليها نتنياهو بشدة، وتحفظت عليها موسكو وواشنطن معاً، ولكن بعد تفاهمات بين باريس وإدارة أوباما، مال كيري إلى الطرح الفرنسي، وسعى لتوظيفه في إطار الاستراتيجية الأمريكية لحل الدولتين، ومن هنا كان انزعاج كيري غير المعلن من تصريحات السيسي التي تطرقت إلى “مفاوضات ثنائية ومباشرة” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو الأمر الذي تتشدد فيه حكومة نتنياهو، ورفضت بسببه المبادرة الفرنسية، لأنها لا تريد وصاية دولية، حتى تستطيع أن تتصرف بحريتها ودون التزامات مع الدول العربية الضعيفة، كل على انفراد.
(7)
تصريحات مايو في أسيوط، والتي خصص لها السيسي 14 دقيقة كاملة مقابل 8 دقائق فقط للقضايا المحلية، كانت أول إعلان على الهواء، عن طبيعة الاتصالات “شبه اليومية” بين نتنياهو والسيسي، والتي أشارت إليها وسائل إعلام عالمية وصحف عبرية، فقد كشفت مبادرة السيسي أن تل أبيب قطعت شوطا كبيرا في مهمة احتواء السيسي، وإقناعه بإمكانية استعادة مكانة مصر الإقليمية (وربما الدولية) عبر تعاونه مع إسرائيل والتنسيق معها، وقد كانت خطة نتنياهو ترمي إلى إفشال المبادرة الفرنسية، واستمرار العناد مع أوباما، حتى تنتهي فترته الرئاسية، وعلى الجانب الإقليمي، خطط نتنياهو لاستخدام مصر في توجيه ضربة لمساعي محمود عباس في التقارب مع فرنسا والاتحاد الأوروبي واستثمار ذلك في تدويل القضية الفلسطينية، لأن الأطراف العربية مجتمعة لم تعد ضمانة لتحقيق مكاسب واقعية في أية مفاوضات مقبلة، وقد كان قرار الكونجرس بالاعتراف بالمسجد الأقصى ضمن المقدسات الإسلامية، بمثابة “الجزرة” التي قدمتها فرنسا للجانب الفلسطيني، و”العصا” التي لوحت بها لتل أبيب، لهذا سعى نتنياهو للرد عن طريق صديقه في القاهرة، وكان من الدهاء أن يتم الاحتواء الصهيوني للرئيس الباحث عن أي دعم إقليمي ودولي، بكلمات تفخيم وإشادة تجاوز فيها السيسي (عند الإسرائيليين) مكانة مبارك كـ”كنز استراتيجي”.. لقد أصبح عملة قابلة للصرف وللاستثمار، لذلك شرع نتنياهو في استخدامها، ليسدد بها ثمن الأراضي الفلسطينية التي يسارع بالتهامها بمعدلات أزعجت كل دول العالم المعنية بترتيبات “الشرق الأوسط الجديد” أو بالتعبير الهيولي الشائع: “مرحلة ما بعد الفوضى الخلاقة”.
وللحديث بقية

جمال الجمل
[email protected]