قراءة في كتاب: فلاسفة أيقظوا العالم

في ظل حالة التخبط التي يعيشها العالم من صعود لليمين المتطرف وأزمات اقتصادية طاحنة وتهديدات إرهابية، وتوحش للمنظومة الرأسمالية، نبدو في أحوج ما نكون لعلم الفلسفة بما يمنحه للإنسان من معرفة وقدرة على فهم الحاضر والتعلم من أخطاء الماضي واستشراف المستقبل، وفي هذا السياق تأتي أهمية كتاب (فلاسفة أيقظوا العالم) للدكتور مصطفى النشار الصادر حديثًا في طبعتين أحدهما عن مكتبة الأسرة، والأخرى عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.
يقدم الكتاب قراءة موجزة لتاريخ الفلسفة ومراحل تطورها وكيف ساهمت بشكل فاعل في حياة البشر، فيقول الكاتب “دراسة تاريخ الفلسفة ليس ترفًا ولا تسلية، بل هو دراسة لتاريخ الوعي الإنساني، إن الفلاسفة قوم أرقتهم مشكلات عصورهم، فحاولوا أن يتغلبوا عليها، ويقدموا لها الحلول وإذا ما حدث أن استعصى فهمها على معاصريها، فإن هذا لا يقلق من الفكرة الفلسفية المطروحة ؛ لأنها قد تعلو على العصر أو تسبقه فينتفع بها عصر آخر، فمن أهم خصائص الفكرة الفلسفية أنها إن ارتبطت في ظهورها بظروف اجتماعية وسياسية ودينية معينة، لكنها في ذاتها صالحة التأمل والنقاش في أي زمان”.
يحتوي الكتاب على خمسة أجزاء وهم أولًا “فلاسفة شرقيون”، ويتناول فيه شخصية اخناتون من الحضارة المصرية القديمة وشخصية كونفشيوس من الحضارة الصينية، وثانيًا “فلاسفة يونانيون” ويتضمن شرح وافي لتطور الفلسفة اليونانية وأبرز رموزها بدءًا من بروتاجوراس مرورًا بالثلاثي الشهير سقراط وأفلاطون وأرسطو، وثالثًا “فلاسفة إسلاميون” ويختار الكتاب ثلاث شخصيات يتتبع من خلالهم تطور الرؤية الفلسفية الإسلامية وهم الفارابي والغزالي وابن خلدون، والفصلان الرابع والخامس يخصصهم الكاتب لرصد رواد” الفلسفة الغربية” بمدارسها المتنوعة بدءًا من أواخر القرن الخامس عشر ووصولًا لبدايات القرن العشرين.

 

فلاسفة شرقيون
يفتتح النشار حديثه عن الفلسفة الشرقية مشيرًا إلى تفردها وقدرتها على الاستمرار والتطور، وفي هذا السياق يقول “كلما قرأت لأحد فلاسفة الشرق القديم مذهبه الأخلاقي إزددت اقتناعا بأن الشرق القديم استطاع فلاسفته التعبير عن مذاهب أخلاقية ناضجة مكتملة البناء المنطقي من ناحية، واضعة في الاعتبار كل نوازع النفس البشرية من ناحية أخرى، فالقارىء لآراء بتاح حتب أو أخناتون من مصر القديمة. أو كونفشيوس ولاوتسي من الصين. أو بوذا وأقرانه من الهند أو زرادشت من إيران القديمة، يندهش ويعجب أشد العجب من أننا في الشرق نعتبر النموذج الأخلاقي العربي الذي بدأت صياغته مع سقراط وأفلاطون هو النموذج الأمثل!”.

رغم حالة الجدل الكبيرة بين باحثي التاريخ حول شخصية أخناتون ومدى جموحه وتسببه في تدمير واحدة من أبرز سمات الحضارة المصرية القديمة، وهى فكرة التعددية والتنوع في الآلهة والمعبودات ومحاولته فرض نمط واحد من الاعتقاد إلا أن الكاتب قدم أخناتون بوصفه الفيلسوف الحاكم، موضحًا أن ما قام به أخناتون كان ثورة بالمعني الكامل، ولم تقتصر فقط على مجال العقيدة الدينية للمصري القديم بل كانت لها أبعاد إجتماعية عديدة، تظهر في سعيه لبناء مدينة مثالية فاضلة تكون عاصمة لملكه ومركز لنشر المعتقد الديني الجديد، بالإضافة لإصراره على إعادة صياغة علاقة الحاكم بالشعب، وترسيخ مفهوم التوحيد.

وفي هذا السياق يقول الكاتب “فجر أخناتون ثورة ثقافية فنية جوهرها الدعوة إلى إنسانية الفن وضرورة تحرير اللغة وتطوريها فلقد كان خروج الملك الفيلسوف عن التقاليد الملكية الراسخة وظهوره للناس على طبيعته دون تكلف وإصراره على فتح حياته الخاصة للرسامين، بالغ الأثر في تطور الفن المصري وانطلاقه من جموده التقليدي الى التحرر، ولا شك أن عنف هذه الثورة الاجتماعية والفنية، لا يتضح إلا أذا عرفنا أن المصري القديم درج من فجر تاريخ أن يطلق على ملكه الإله الطيب فكانت تماثيل الملك تصوره يافعا قويا خالي من العيوب والنواقص، وجاء أخناتون ليصر على أن يرسمه الرسام كما هو بعيوبه الجسدية ومشاعره البادية على وجهه وفي كل مظاهر حياته، مدفوعا في ذلك بإيمان مطلق بالحق والعدالة والصدق الذي يتنافى معه أن ينافق مجتمعه أو أمين يظهر في صورة غير صورته الحقيقة”.

فلاسفة اليونان
في الجزء الثاني من الكتاب يتحدث الكاتب عن أبرز فلاسفة الحضارة اليونانية، منطلقا من شخصية بروتاجوراس بوصفه الفيلسوف التنويري والصوت المتمرد (فقد كانت آراءه الجريئة أشبه بالصاعقة التي نزلت على رأس سقراط فجعلته يدور في شوارع أثينا محاولا درء الآراء الفلسفية التي أطلقها بروتاجوراس والداعية إلى نسبية الوجود والمعرفة والأخلاق والتأكيد كون الفرد هو الأساس والمرجع في كل معتقداته)، ويعود الفضل لبروتاجوراس في زعزعة الثقة دائما بكل ما هو مطلق أو فطري مما يحلو الفلاسفة العقلانيين ترديده، وقد أسس بروتاجوراس فلسفته منطلقا من أن الإنسان هو مقياس الأشياء جميعا، وأن الحواس لدى كل إنسان مما هى معيار الوجود والمعرفة وليس العقل، ومن أكثر آراء بروتاجوراس الصادمة للمجتمع الآثيني إعلانه عدم وجود أي فارق طبيعي بين الإغريق والبربر ودعوته لتحرير الرقيق في الوقت الذي تحفظ فيه أفلاطون على مناقشة هذا الأمر معتبره من المسلمات الحاكمة للجمهورية، في حين برر أرسطو فكرة الرق وأجاز الحرب من أجل صيد الأرقاء بدعوى حاجة المجتمع لهم. يشار إلى أن بروتاجوراس واحد من رموز ومؤسسي الفسلفة السفسطائية ومن دعاة حرية الفرد إزاء أي سلطة اجتماعية أو سياسية أو دينية، فلا سلطان على الإنسان إلنفسه.

فلاسفة إسلاميون

في الجزء الثالث من الكتاب بعنوان فلاسفة إسلاميون يتناول الكاتب ثلاث شخصيات لعبت دور مهم ومركزي في الفلسفة الإسلامية وهم الفارابي وأبي حامد الغزالي وابن خلدون، مشيرا إلى أن كل منهم ترك إرث كبير من المعرفة والحكمة، فالفارابي الملقب بالمعلم الثاني كان رائد في الفلسفة السياسية (أول فيلسوف إسلامي يتناول السياسة بالبحث المتعمق والمستفيض حتى انفردت فلسفته بطابعها السياسي دون غيره من فلاسفة الإسلام).

في حين كان الغزالي الفيلسوف المتكلم والفقيه والحكيم والإمام الصوفي وصاحب المواقف والآراء المتباينة والمتناقضة والمتشددة أحيانا ورغم كثرة منتقدي الغزالي بسبب موقفه المعادي للفلسفة بعد إنتقاله للفقه والتصوف إلا أن الكاتب يرى في الغزالي شخصية فريدة وفي هذا السياق يقول (الغزالي فيلسوف بكل ما تحمله الكلمة من معان عقلانية وشكلية وتحليلية، إنه صاحب الموقف الفلسفي الفريد في التراث الإسلامي ذلك الموقف الأصيل ذو الأبعاد العميقة التي تخفى على من درجوا على تسطيح الغزالي ونسبته مرة إلى المتكلمين ومرة إلى المتصوفة واعتبروه في هذا وذاك مجرد رجل دين مخلص).

بينما كان ابن خلدون هو الشخصية الفذة التي أعادت التأكيد على قدرة الشخصية العربية في المساهمة بفعالية في بناء الحضارة الإنسانية من خلال كتاباته المهمة في الفلسفة وتأسيسه لعلم الإجتماع، ووضعه لأسس علم النفس السياسي، ويشير الكاتب لمرحلتين مهمتين لعبا دورًا رئيسيًا في حياة ابن خلدون وتطور أفكاره وهما كثرة التنقل بين البلدان العربية في المغرب والمشرق حيث تتبع عن قرب التغيرات التي تعيشها المجتمعات الإسلامية وأزماتها السياسية والإجتماعية، والعامل الثاني كان نشأته ومعرفته القوية بالقرآن والعلوم الشرعية مما مكنه من فهم أعمق للتباين في التصورات الدينية وكيف يتم توظيفها لأغراض سياسية.

ورغم الدور الكبير الذي لعبه ابن رشد في الحضارة الإسلامية ثم في الحضارة الغربية إلا أن الكاتب لم يتطرق له واكتفى بإشارة موجزة له في بداية الفصل الخاص بفلسفة ابن خلدون.

فلاسفة غربيون
في الجزء الرابع من الكتاب يتطرق الكاتب لرواد الفلسفة الغربية بدءًا من القرن الخامس عشر ووصولًا لنهايات القرن الثامن عشر، مشيرًا إلى حالة الحراك المجتمعي الكبير على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أنتجها الزخم الفلسفي بشتى مدارسه بدءًا من مكيافيللي وفلسفته السياسية ودعوته لفصل السياسة عن الأخلاق، مرورًا بديكارت وفولتير وجان جاك روسو ودعوته لتأسيس العقد الإجتماعي ووصولًا لكانط وهيجيل، ويختتم النشار كتابه بجزء خامس يحتوي على فصليين أحدهما يتناول الفلسفة الماركسية والمادية التاريخية، والآخر يتناول رؤية الفيلسوف الألماني الشهير اشبنجلر وتصوراته عن بيولوجية الحضارة.

وعن الدور المهم لاشبنجلر في نقد الحضارة الغريبة وتقديمه رؤية فلسفية مغايرة لمفهوم الحضارة والتاريخ يقول الكاتب ” أحدث اشبنجلر ثورة أشبه بالثورة الكوبرنيكية في التاريخ حين صحح ذلك الوهم الكبير الذي كان يعيشه الأوروبي وهو يظن أن حضارته مركز الحضارات” مشيرًا إلى أن الحضارة الأوروبية ما هى إلا مكون من مكونات حضارات متعددة في تاريخ البشرية وربما بعض هذه الحضارات يتفوق على الحضارة الأوروبية من حيث قوتها الروحية أو رؤيتها الأخلاقية والمعرفية.