نتنياهو يحكم من الاتحادية

 

(1)
فضيحة “إدارة السيسي” في مجلس الأمن ليست “غلطة”، لكنها “أسلوب”، والمخجل لي كمصري أن هذه الإدارة لا تنوي أن تتوب، فقد احترفت أقدم مهنة، وذاقت طعم المكسب الحرام، وصارت إدارة “متعووودة.. دايمااااً”، مشكلة السيسي وإدارته المنبطحة ليست في التراجع عن تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن لإدانة الاستيطان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد 5 يونيو 67 بما فيها القدس المشرفة، لكن المشكلة أن هذا التراجع يكشف عن مصيبة وقوع الدولة تحت سيطرة سماسرة لا سياسيين، فقد تجاوز الخنوع والتردي حدود الحديث عن أضرار التبعية و”أوراق اللعبة اللي 99% منها في إيد أمريكا” إلى حالة من السقوط الأخلاقي والوطني، لا أجد تشبيها لها إلا “الدعارة السياسية”، والمؤسف أن الفضيحة لم تقتصر على مكاتب الاتحادية أو الخارجية لينصحنا ديوث ما بالتستر عليها، لكنها كانت على الهواء، تملأ الشاشات وأوراق الصحف في العالم كله.
(2)
لكي نفهم القصة بشكل أوضح ينبغي أن نعرف أن مصر لم تبادر من تلقاء عروبتها ودورها القومي بتبني مشروع القرار، لكنها حملت شرف تقديمه باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي تحمل صفة “العضو المؤقت” في مجلس الأمن الحالي، وبالتالي فإنها استجابت للتحركات الدولية المناهضة للاستيطان والتي تتزعمها أوروبا وأمريكا، في إطار تصور لحل الدولتين.. أي إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة على الأرض التي كانت بحوزة الفلسطينيين نهار 4 يونيو 1967، وهذا يعني أن ابتلاع إسرائيل لهذه الأرض بالتوسع في الاستيطان يعني نسف حل الدولتين، واستمرار الصراع في المنطقة، ووفق هذه المعلومة، فإن نظام السيسي لم يسحب مشروعاً يملكه، بل خان الأمانة التي ائتمنه عليها الفلسطينيون، وتضامن معه فيها العالم كخطوة أخلاقية تمهد لحل سياسي ينهي الصراع العربي الصهيوني حسب تصور إدارة أوباما، وحسب تصور الرباعية الدولية، والاتحاد الأوروبي.
(3)
تعبير “خيانة الأمانة” لا ينبع من غضب أو تحامل على نظام السيسي، لكنه توصيف دقيق لتصرف نظام في موقف لا يملكه، وفي أوراق وترتيبات تشترك فيها أطراف أخرى كثيرة، أوكلت إليه مجرد طرحها، وقد أدى مهمته الموكلة إليه حتى ليلة التصويت، حيث وزع مشروع القرار بالفعل على أعضاء المجلس الأممي ليل الأربعاء للإطلاع على النص قبل التصويت في اليوم التالي، وكان واضحاً للعالم كله أن المجلس جاهز ومستعد لاتخاذ القرار، فالدول الخمس دائمة العضوية لن تعترض بما فيها أمريكا (حسب تلميحات قوية من كيري ومصادر في إدارة أوباما)، والدول العشر (صاحبة العضوية المؤقتة في هذه الدورة) أعلنوا حماسهم للقرار، لكن مندوب مصر فاجأ الجميع، وسحب مشروع القرار، طالباً إرجاء التصويت عليه إلى أجل غير معلوم، بحجة إجراء مشاورات مع وزراء لجنة المتابعة في الجامعة العربية!!
(4)
يستطيع نظام السيسي أن يكذب على بسطاء شعبه، أو يكذب على نفسه، لكنه لا يستطيع أن يكذب على “الأخ الأكبر” الذي يراقبه ويراقب العالم كله، بل ويتحكم في تصرفاته بالريموت كونترول، لذلك كانت حيلة السيسي ونظامه مكشوفة ومفقوسة، وسعت فرنسا وأمريكا إلى تفعيل “الخطة ب”، والتي تمثلت في إعلان 4 دول من أعضاء المجلس تمثل 4 قارات، أنها ستتقدم بمشروع القرار للتصويت يوم الجمعة، لو لم تؤكد مصر عزمها تقديم المشروع قبل انتهاء يوم الخميس، فقد تبين أن نتنياهو فشل في إقناع إدارة أوباما باستخدام حق الاعتراض (فيتو) على القرار، فاتجه للضغط المباشر على حليفه المخلص الرئيس السيسي، بغرض تعطيل التصويت على القرار، إلى ما بعد 20 يناير المقبل، حيث تنتهي ولاية أوباما، ويتسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، ليبدأ في تنفيذ وعوده الانتخابية لصالح إسرائيل.
(5)
تفاصيل الضغط الصهيوني على السيسي مخزية، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية جانباً كبيرا منها، وأشارت إلى أن نتيناهو لم يتصل به مباشرة كعادته، لكنه عقد خلية أزمة منبثقة من اجتماع وزاري طارىء لحكومته، وبدأ الضغط على القاهرة بمستوى منخفض، وتضمنت الاتصالات تهديدات واضحة، نظرا لخطورة هذا القرار على أمن ومستقبل إسرائيل، كما تضمنت تذكيرا للسيسي ونظامه بمتانة الصداقة والمودة، والشراكة في مواجهة الإرهاب والتحديات بالمنطقة، والواضح أن الضغوط والتهديدات الإسرائيلية كانت من القوة لدرجة أن السيسي قرر التضحية بالجميع: السلطة الفلسطينية والجمهور العربي المناصر للحق الفلسطيني، وفرنسا صاحبة المبادرة المطروحة لحل القضية سياسياً، وإدارة أوباما التي تريد أن تسجل موقفا قبل الرحيل، يحفظ للديموقراطيين ماء الوجه، ويضع العراقيل أمام ترامب، حتى لا ينجح في تنفيذ وعوده بالتهويد الكامل للقدس وإعلانها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وكذلك لتأديب نتنياهو الذي تطاول على إدارة أوباما وأضر بصورتها أمام العالم، وبفرص فوز هيلاري كلينتون في الانتخابات الأخيرة، لذلك أراد أن يستخدم الموقف النظري للإدارات السابقة بإدانة الاستيطان شفويا (دون وقفه على الأرض)، وأن يوجه من خلاله رسالة عقابية لنتنياهو وليهود إيباك ردا على مناصرتهم لترامب ضد المرشحة الديموقراطية.
(6)
بعد إعلان النظام المصري سحب مشروع القرار، اتصل ترامب بالسيسي ليشجعه على التمسك بهذه الخطوة، تحت غطاء من التبريرات يتلخص في أن نجاح الحل السياسي يجب أن يتم “بالاتفاق وليس بالخناق”، وأن القضية الفلسطينية يجب حلها دفعة واحدة في إطار تصور شامل، وبالتالي فإن قرار إدانة الاستيطان قد يتحول إلى عقبة كبيرة تحول دون التوصل إلى ذلك الحل الشامل!.
(7)
مثل أي سمسار لا يهمه المبادئ بل إبرام الصفقات، فكر السيسي أن أوباما باي باي، وترامب هو اللي جاي، وإسرائيل هي اللي قاعدة لي، ولأنه يفتقر إلى القراءة الاستراتيجية للموقف، فقد تصور أن المسألة سهلة: يتخلى عن اللي ماشيين ويجامل اللي جايين، وهي نظرة طفولية قاصرة، تتجاهل رغبة فرنسا في رد كرامتها بعد أن تسبب نتنياهو في تأجيل مؤتمرها الدولي للسلام، كما تجاهل رغبة أوباما في تمرير هذا القرار، للحصول على مكسب أخلاقي ومبدئي، يتماشى مع الموقف الأمريكي المستقر من قضية المستوطنات وحل الدولتين، وذلك في مواجهة جموح ترامب، حتى لا يحقق نجاحا داخليا يعمق من هزيمة الديموقراطيين.

(8)

فوجئت إدارة السيسي، بأن القطار ماضٍ في طريقه، وأنها أضعف من أن تتحول إلى متراس صهيوني يعطل صدور قرار اجتمعت عليه الإرادة الأممية فيما يشبه الإجماع (بعد امتناع المندوب الأمريكي عن التصويت)، انطلاقا من محطة إنسانية وأخلاقية تجاهلها النظام المصري الذي أسرع بالقفز في السبنسة، مصوتا لصالح قرار لم يعد في حاجة إلى صوته المشكوك فيه، إثر انكشاف موقفه الانبطاحي المتخاذل أمام “تل أبيب” التي أملت عليه سياسة انهزامية تخون تاريخ وتضحيات مصر للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية والأفريقية عموما.
(9)
خلفيات القصة المخزية لم تنته، فقد ركزت في هذا المقال على سرد قصة القرار، وأسلوب إدارة السيسي في التعامل معه، بما يضرب الثوابت الوطنية لمصر، لكن القصة لم تكن وليدة ديسمبر الجاري، لذلك سأواصل الحديث عن الجوانب الخفية في مقال لاحق.
جمال الجمل
[email protected]