قراءة في كتاب: حتى لا يُسرق المستقبل .. ثلاثية التنمية والعدالة والاقتصاد

في ظل التغيرات السريعة والحادة التي تشهدها مصر في كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومع غياب أي رؤية حكومية لإدارة هذه التغيرات وتجنب آثارها وتداعياتها القاسية على مستويات المعيشة، صار هناك هاجس كبير لدى قطاعات عريضة من المصريين عنوانه المستقبل، في هذا السياق تأتي أهمية كتاب “حتى لا يُسرق المستقبل .. ثلاثية التنمية والعدالة والاقتصاد” للباحث الإقتصادي شريف دلاور، الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة.

يحتوي الكتاب على ثلاث فصول هى “اقتصادنا بعد الثورة، واقتصاد العالم من حولنا، وركائز المستقبل” ترصد وتحلل النموذج النيوليبرالي في إدارة الإقتصاد وأزمات النمو والفقر وعدم المساواة المرتبطة به، وتقترح سياسات بديلة أكثر عدلًا ومساواة واستدامة.

وفي هذا السياق يقول الكاتب في المقدمة “الكتاب يدور حول التغيير المطلوب للإسراع بخطوات التنمية الإقتصادية التي تحقق مطالب الثورة المصرية من عيش وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية”، ويضيف “كان للسياسات السابقة على ثورة 25 يناير تأثير مدمرًا على الاقتصاد الحقيقي وعلى الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية، كما شكل التحالف بين قوى الحكم ورجال الأعمال محورًا لنهب الثروات، فتدهورت الأجور، وارتفعت البطالة، وأدت الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء لتأكل النسيج الاجتماعي”.

النيوليبرالية وإفقار الشعوب
في الفصل الأول من الكتاب يشير الكاتب إلى أن جذور فشل التجربة المصرية الاقتصادية منذ تسعينيات القرن الماضي تعود لتبني السياسات النيوليبرالية القائمة على خفض الدعم الحكومي والخصخصة وتشجيع الاستثمار الأجنبي والتركيز على أرقام ومعدلات النمو دون التطرق لأمور مثل: عدالة التوزيع أو التشغيل أو تدرج أولويات الإصلاح، ويوضح الكاتب أن هذه السياسات لم تتغير بعد الثورة مما تسبب في المزيد من التدهور في مستويات المعيشة “لقد إتبعت حكومات ما بعد الثورة نهج الاقتصاد اليميني لحكومتي عاطف عبيد وأحمد نظيف، علمًا بأن إشكالية العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تكمن في قلب مسار اليمين الاقتصادي المصري سواء كان تحت مظلة الليبرالية أو الإسلام السياسي، حيث الارتباط بين عدم المساواة وتكافؤ الفرص وبين الأمراض الاجتماعية مثل البطالة والأمية وارتفاع معدل الجريمة”.

ويحذر الكاتب من الصورة القاتمة للمستقبل في ظل الإستمرار في هذه السياسات مشيرًا إلى المآسي الإنسانية التي تعيشها دول مثل البرتغال وأسبانيا واليونان نتيجة تبني هذه السياسات حيث وصل معدل البطالة بين الشباب إلى 50 %، ووصل حجم الدين المحلي والخارجي لأرقام مفزعة وتم فرض سياسات تقشفية قاصية أودت بمستويات معيشة الطبقات الوسطى والفقيرة.

سياسات اقتصادية واجتماعية بديلة
يقترح الكاتب مجموعة من السياسات والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية البديلة عن السياسات النيوليبرالية، ومن أبرزها، أولًا تبني سياسات للتشغيل الكامل بحيث يتوفر لكل شاب فرصة عمل، ويتم تمويل هذه السياسات عن طريق الضرائب التصاعدية على الدخول بالإضافة لفرض ضرائب على كل أنواع الربح الكسول مثل: بيع الأراضي والعقارات والبورصة وغيرها، وعبر هذه الأموال تقدم قروض ومنح لصغار المستثمرين بحيث يتم إعادة توزيع الثورة والسعي في تحقيق العدالة الاجتماعية.

ثانيًا: مساندة الشركات الوطنية ووضع ضوابط على حركة الاستحواذ على الأنشطة الاقتصادية المصرية من قبل الشركات الديناصورية الدولية.

ثالثًا: إعادة هيكلة الصناعة المصرية حيث أن مدفوعات الصناعة في مصر تصل إلى قرابة 60% بالعملة الأجنبية و40% بالعملة الوطنية، مما يمثل ضغط على العملة الوطنية، ولحل هذه الأزمة من الضروري التركيز على تنمية المهارات البشرية والاهتمام بالصناعة القائمة على الإبتكار والتكنولوجيا.

رابعًا: الارتقاء بمناخ المنافسة والشفافية وتفعيل آليات الرقابة الحكومية والاجتماعية.

خامسًا: الإصلاح الإداري لمؤسسات الدولة بحيث تتواءم مع المتطلبات الجديدة للتنمية.

سادسَا: زيادة معدلات الإدخار والتقليل من الهوس الاستهلاكي فبينما يتجاوز متوسط معدل الإدخار في الصين 30% في السنوات الماضية فإن معدل الإدخار في مصر لم يتجاوز 13% من الناتج الإجمالي.

ويوضح الكاتب أن هذه المقترحات مطروحة منذ سنوات ولكن صناع القرار وأصحاب المصالح كان يرفضونها بدعوى أن الضرائب التصاعدية والرقابة على حركة رأس المال وغيرها من الأدوات الفعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية والنمو الاقتصادي المستدام سوف تقلل من حجم تدفق الاستثمارات الأجنبية وتتسبب في تَباطُؤ معدلات النمو، وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية حققت أعلى معدلات للنمو والتشغيل وفائض في الموازنة العامة في فترة الخمسينيات عندما وصلت الضريبة على الدخل لأرقام قياسية وكذلك الأمر في ألمانيا وفرنسا وحتى الدول الآسيوية التي حققت طفرة اقتصادية وضعت قيود على حركة رأس وضرائب على الأرباح الرأسمالية.

نموذج جديد للتقدم
في الفصل الثالث من الكتاب يرصد الكاتب كيفية إنتقال العالم من مرحلة التطور المرتبط بالنموذج الصناعي الذي ساد في بدايات القرن العشرين في كافة دول العالم بغض النظر عن أيديولوجية الدولة أو حجمها إلى مرحلة جديدة مع بدايات القرن العشرين أصبح فيها النموذج الصناعي عبء كبير بما يسببه من أضرار للبيئة والإنسان، وفي ظل التقدم التكنولوجي الهائل صار الهاجس الأساسي هو كيفية الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية، وفي هذا السياق يقول الكاتب “إن الطبيعة لا تعرف الفاقد أو العدم فكل ناتج في النظام الطبيعي هو مدخل لمكون آخر، وأما فقاعة عصر الصناعة التقليدية فإن المجتمع يولد قدرًا هائلًا من الفواقد”، ومن هنا فقد تغيرت مفاهيم التقدم والرفاهية، وأصبحت هناك ثلاث أفكار محددة للمستقبل وهى أولًا: لا جدوى من مسار التقدم إلى الإمام لا يأخذ في الاعتبار احتياجات الأجيال القادمة من طاقة ومياه وموارد بيئة نظيفة، ثانيًا: التغيرات المطلوبة في السنوات القادمة ستتطلب نظام اقتصادي جديد يقوم على أسس ومبادىء عالم الطبيعة، وهو ما أصطلح على تسميته بالاقتصاد الدائري نسبة للحركة الدائرية للطبيعة حيث تدور الموارد دون فاقد أو عادم وتتجدد باستمرار.

ويؤكد الكاتب على كون الاقتصاد الدائري ليس حلمًا، فقد برزت ملامحه في السنوات الماضية من خلال مؤشر داوجونز لاستدامة الشركات “DJSI” المكون من ثلاث محاور هم: الاستدامة البيئية وتشمل نظم إدارة البيئة حيث إستراتيجية كل منظمة في إدارة الطاقة والمياه والفاقد، والاستدامة الاقتصادية وتشمل إدارة المخاطر والأزمات والحوكمة ومواثيق الشرف وسياسات مواجهة الفساد، والاستدامة الاجتماعية وتشمل ممارسات العمل وتطوير رأس المال البشري والحوار مع أصحاب المصلحة والتقييم الاجتماعي للمنظمة.