من مصر للزعيم: “فاروق ده روحي روحي”!

لست ابن المرحلة الناصرية ولا مبشرا لها، لكنني لا أطيق أن يمس سمعة الرجل مكروه أو تناله سهام التشكيك والسخرية.
ليس هناك مقدس سوى الله، وليس هناك أبدي إلا الله، وقطعاً ناصر ليس إلها ولا هو “خالد الذكر”.
انطلاقاً من هذه القاعدة يحق لك الاختلاف حول جمال عبد الناصر، ما أنجزه وما أهمله، ما قدمه وما عجز عنه، إدارته السيئة لملفات أبرزها الحريات والديمقراطية، ولكن كل ما سبق لا يمنحك أي رخصة للاستهزاء أو التشفي.
اعترف أن جزءًا من محبتي شخصي، أما الجزء الأكبر فهو لإيماني المطلق بمشروعه رغم ما أصابه من انكسارات وانحرافات.
فلننحي الشخصي جانباً، ولو مؤقتاً، ولنقتحم أكثر المناطق خطورة وهي تتلخص في سؤال مقتضب: هل كان لثورة 23 يوليو ضرورة؟
ملحوظة أولى: حبي ودفاعي عن ناصر لا ينسحب عمن ارتدوا عباءته وتحدثوا بلسانه وتاجروا باسمه، فلي ديني ولـ”التيار الناصري القومي الوحدوي” دينه ودنياه.

المتمسحون في التجرية الملكية، وأغلبهم للمفارقة من الطبقة المتوسطة، وهي الطبقة التي انحاز إليها ناصر وتنكر لها العصر الملكي، يحفظون ويرددون حزمة من العبارات الممجوجة من عينة: “أنت عارف الدولار كان بكام، كنا بنسلف إنجلترا، الجنيه المصري كان يساوي جنيهاً ذهبياً، أكبر منتج للقطن في العالم، الموضة التي تضاهي أوروبا”، وغيرها من العبارات التي تريد أن تدلل بأنه لم يكن هناك بد من الثورة، بل وصل إلى أن وصفها بعضهم بـ”الانقلاب”.
إليكم أولاً حقائق تاريخية بسيطة ومجردة، أسردها من دون “فذلكة أو تزويق”، وأرجيء سؤالي لما بعد ذكرها.
زادت ثروة الملك فاروق خلال حكم دام نحو 15 سنة ما يزيد عن 5 أضعاف، وتحكم في مقاليد الاقتصاد سواء بورصات أو أراض زراعية عائلات بعينها كانوا يسمونها “طبقة الأعيان”، ووصلت معدلات الفقر والأمية لأكثر من 85%، ونصف المصريين تقريباً مصابون بالبلهارسيا بلا مستشفيات أو غطاء صحي، والتعليم في أدناه لقلة عدد المدارس، والغالبية يعملون مزارعين وحرفيين بأجور زهيدة دون أدنى حقوق ضمن ما عرف بنظام “السخرة”، والجيش كان لأبناء الذوات وأسرة محمد علي، أما العامة فكان يتم اقتيادهم مقيدين إلى “الجهادية”، والحريات كانت محاصرة إما بالبوليس السياسي أو بـ”العيب في الذات الملكية”، ثم كان الختام بـ”الحرس الحديدي” لتصفية المعارضين.

المصريون لم يكونوا يملكون أي جنيهات ذهبية وبالتالي لم تكن تعنيهم قيمته، واحتياطي الذهب والأموال لم يوجه لتحسين أحوالهم، بل كان يصب في جيوب الأثرياء فيزيدهم ثراء، والسياسة كانوا يسمعون عنها فقط لأنها مهنة الباشوات، وهي ألقاب كانت تمنح في مقابل أموال وأراض جديدة تضاف لرصيد جلالته الذي عرف عنه نهمه الشديد للاستحواذ، أما الموضة فهي الشيء الوحيد الصادق في عصر الملكية، بدليل المكاتبات بين رئيس الحكومة ووزرائه بعد تفاقم الظاهرة التي انتهت بإطلاق “المشروع القومي لمقاومة الحفاء عند المصريين”.

ملحوظة ثانية: كان هناك عجز في ميزانية الدولة في العام السابق لـ52 بما يزيد على 50 مليون جنيه… “يمكن عشان كنا بنسلف إنجلترا”.

إليك سؤالي المؤجل: هل كان هناك بد وضرورة من ثورة 23 يوليو؟

حصلت “حركة الضباط الأحرار” على تأييد شعبي، فلم تخرج أي مظاهرات جماهيرية تهتف للملك الذي حقق الرخاء للمصريين، ولم تثأر الحركة من فاروق كطبيعة الثورات، بل ودعته هو وأمواله إلى الميناء بالموسيقى والتحية العسكرية.

والآن أنقل إليك المشهد المصري في حقائق جديدة، تستند إلى أرقام رسمية ودولية، لذا فهي لا تقبل التشكيك.

رحل ناصر بعد حكم دام نحو 17 سنة وفي خزائن الدولة فائض من العملة الصعبة يقدر بـ250 مليون دولار، واحتلت مصر بشهادة البنك الدولي مرتبة أقوى اقتصادياً من كوريا الجنوبية بمعدل نمو يضاهي الدول الأوروبية، ووصلت المساحة المنزرعة إلي نحو مليون فدان وهي الأكبر في تاريخ الدولة، وتم تحقيق اكتفاء ذاتي في كل السلع باستثناء القمح الذي وصلت نسبة زراعته إلى 80%، وقضت مصر تماماً على البطالة بفضل النهضة الصناعية، وقدرت المؤسسات الدولية ثمن المصانع التي شيدت بأموال مصرية دون قروض بأكثر من تريليون و400 مليار، وحقق الريف طفرة بعد توزيع الأراضي على الفلاحين، فعرف المدارس والوحدات الصحية والمياه النظيفة والكهرباء التي امتدت خطوطها من شمال مصر إلى أقصى جنوبها، هذا بخلاف السد العالي وتصنيع السلاح ومنها الصواريخ، وإحراز خطوات ملموسة في المفاعل النووي، وقدر الخبراء الفارق بين المفاعلين المصري والإسرائيلي بنحو سنة ونصف لصالح الأخير.

ملحوظة ثالثة: المعلومات المذكورة مختصرة بقدر كبير لضروريات مساحة المقال، ولا تشمل إنجازات حكم ناصر كافة، وأعتذر عن استخدام كلمة “إنجازات” بعد أن أصبحت “سيئة السمعة”.

مد ناصر أذرع الدولة المصرية إلى عمق أفريقيا، وحارب في اليمن، وهو الكارت الذي يشهره البعض للنيل من الرئيس الراحل، ولكن هؤلاء لا يدركون أن “الملعب الأفريقي” خاضع لاعتبارات الأمن القومي المصري، واليمن وباب المندب أيضاً جزء من أمننا القومي، فالدول القوية فقط هي من تحلق بعيداً عن حدودها لتأمين مصالحها وبسط نفوذها، والدول الصغيرة هي من تتقوقع داخل إطارها الضيق، تتسول المدد والوساطة من آخرين.

أخطأ ناصر في ملفات التضييق على الحريات، وإن كانت أفضل حالاً من الآن، وأخطأ في تجاهل ملف الديمقراطية، وأخطأ في خسارته حرب 67 عسكريا، ولا يغفر له تحمله المسؤولية وإعلانه التنحي أو إلقاء الكرة في ملعب بعض معاونيه، كما أخطأ في توحش النفوذ السياسي وليس المالي لبعض رجال الثورة، أخطأ ناصر لأنه ليس إلها، والقوس ما يزال مفتوحاً إن أردت أن تشارك بوضع المزيد من الأخطاء.

أحببت ناصر لأنه أحب الفقراء وأخلص لهم واجتهد لإرضائهم، أحببته لأنه أحب الوطن وحاول أن يحقق لأبنائه المساواة والكرامة، لأنه أحب العروبة إيماناً بأنها مرتكز قوة لمواجهة العالم، أحببت ناصر كما أحبه العرب، وأشعر بالخزي أحياناً لأن صورته التي ما تزال تُرفع في أغلب الدول العربية، يمزقها بعض المصريين بلا خجل ولاعتبارات شخصية.

لهذا أحببت ناصر كرئيس لمصر، أما عن سر محبتي الشخصية التي أشرت إليها في البداية، فيمكن إيجازها في هذه الرواية:
رن الجرس وكنت وقتها ابن الحادية عشر، ولما هممت بفتح الباب، أوصاني خالي بألا أطلع أحداً على وجوده قبل أن أعرف أولاً هوية الشخص القادم، وبالفعل فتحت باب المنزل فوجدت رجلاً أنيقاً طويل القامة يسألني عن صاحب المنزل وقال إن اسمه خالد، فذهبت لشقيق والدتي وأخبرته بما حدث، فقال: “خالد مين”؟ عدت أدراجي للباب لأسأله عن اسمه بالكامل، فأجابني بتواضع وابتسامة رقيقة: اسمي خالد عبدالناصر، ولم أشعر بأي أهمية للشخص إلا عندما وجدت خالي بمجرد أن أخبرته بالاسم، يتوجه بسرعة إلى الضيف ويدعوه إلى الدخول بترحاب شديد، وشعرت بغبطة شديدة عندما صارحني خالي بعد مغادرة خالد بأنه سأله فى أثناء جلوسهما: “مين الفتي الوسيم اللي فتح لي الباب”؟.

مرت أشهر قليلة وتفجرت قضية “ثورة مصر” فى عام 1986، ووجه الاتهام وقتها لخالد ابن الرئيس الراحل بالضلوع في تنظيم استهدف مصالح الكيان الصهيوني في مصر، وعندما علمت أن من يقصدونه هو الشخص الذي وصفني بـ”الوسيم”، وأنه ابن الزعيم جمال عبدالناصر، رددت في نفسي: “راجل من ضهر راجل”.

ملحوظة أخيرة، شقيق والدتي هو أبي الروحي الكاتب الراحل عبدالله إمام، الذي تربيت في منزله، وتعلمت منه حب ناصر، وهو من ظل قابضاً على قناعاته وناصريته حتى وفاته، لم يتغير أو يتبدل رغم التحولات، وهو أيضاً من فشلت في الكتابة عنه عشرات المرات، ولهذا صفحات تطول.