«لو مكنتش انت تزغزغني.. مين هيزغزغني»!

إن أردت أن تضحك حتى تمتلىء عيناك بالدموع، أو تسقط على الأرض من فرط المسخرة، لا أنصحك بمشاهدة فيلم كوميدي، أو سماع نكتة جديدة، ولا ترهق نفسك أو تكلفها مادياً بالنزول إلى أقرب مسرح، أو تضر صحتك بتدخين سيجارة حشيش مع أصدقاء السوء، فهناك طريقة مضمونة، مجربة، وسهلة جداً، هي باختصار: “اقرأ تصريحات المسئولين في مصر”.

يمكنك أن تلوم المسئول في مصر على تقاعسه عن أداء عمله، أو تنتقده لإهماله أو فساده أو كسله، ولكن إياك أن تنتقص من قدرته على انتزاع الضحكات، ولا تقلل أبداً من موهبته في صنع “الإيفيهات” الفتاكة، وهو الأمر الذي رسخ لدي قناعة بأن النظام الحاكم يشترط “الحس الفكاهي” كمعيار إجباري عند اختيار أي مسئول.

يتفنن المسئول لدينا في وضع “التاتش بتاعه” على أي أزمة، فالتجويد سمة العباقرة، وهو ما يميز مسئول عن مسئول، وتصريح عن تصريح، وفي النهاية يربح من هو صاحب أعلى رقم قياسي في “الهرتلة”، وطبعاً كله يأتي تنفيذاً لتوجيهات فخامته بضرورة رسم البسمة على شفاه المواطن، وتحقيقاً لمبدأ “لو مكنش المسئولهيزغزغني.. مين هيزغزغني”.

يزخر السجل المصري في عام واحد فقط بطوفان هائل من “أحاديث الزغزغة”، يعجز أي متابع أو باحث عن رصدها، وإن كان التاريخ سيتوقف طويلاً بالفحص والدرس أمام بعضها، أذكر منها على سبيل المدح لا الذم، تصريح وزير المالية “الناس بتقولي مبتشيلوش الدعم ليه”، وهو ما يبدو أنه أغرى وزير النقل فأطلق تصريحاً مماثلاً يقول فيه: “الناس بتسألنا ليه مرفعتوش سعر تذاكر المترو لحد دلوقتي”.

من طبيعة الأشياء في مصر أن يطلب المواطن الغلاء بعد أن ضجر الرخاء، والجملة التي يرددها كل كبير وصغير هنا هي “زود الأسعار كمان.. عايز أتوب”، وإمعانا من جانبي في منافسة المسئولين على تصريحاتهم الخلاقة، أعرف مواطناً تقدم بطلب يدعو فيه الدولة إلى أخذ راتبه خشية على نفسه من “فتنة المال”، ولما رفضوا طلبه، أقدم على الانتحار.

والآن، موعدنا مع كبيرهم الذي علمهم الضحك، يقول في إحدى تجلياته: “الفساد كتير بس هنعمل إيه”، وهو تصريح رد عليه البعض في مواقع التواصل الاجتماعي بكلمات وإيحاءات غير لائقة، أدينها وأشجبها واستنكرها، وفي الوقت نفسه أراها صائبة وفي محلها، فكيف لرأس السلطة أن يقر بوجود فساد، وفي الجملة نفسها يقر بعجزه عن مواجهته، فهو بذلك يمنح الفساد شرعية وجود، ويبعث برسالة للفاسدين مفادها: “أنا مش قدكم”!

ومن الكبير أوي إلى من هم أصغر منه، لا تتوقف ماكينات “الزغزغة” عن الدوران، وهنا تصريح آخر لوزيرة مرموقة تقول فيه: “الفقير أكثر استحمالاً للفقر من الغني”، وهي تتحدث انطلاقاً من قاعدة “ضربوا الأعور على عينه”، فماذا سيضير الجائع لو “نام من غير عشا”، أما الثري فهو مرهف المشاعر، صاحب ذوق رفيع، فلا يجوز لنا أن نضايقه أو نثقل عليه، لكن الفقير… “يولع بجاز وسخ”!

سيدي، لا تكف الدولة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها عن مطالبة شعب فقير مفلس بالمزيد من الجوع والتقشف: “متاكلوش عشان مصر”، “الناس لازم تضحي”، “المواطن يفطر بجنيه، كفاية رغد بقي”، “المصري يكفيه 2 جنيه في اليوم”، “الفرد في مصر يحتاج إلي 322 جنيه شهرياً للبقاء على قيد الحياة”.. خطاب أجوف مكرر هزلي، يعكس حالة من الفصام، ويرسخ لفشل رئاسي وحكومي، كما أنه يعبر بدقة عن المثل الشعبي.. “اللي اختشوا ماتوا”!

في أي مكان في العالم، يفترض أن تكون مهمة النظام الحاكم هي التبشير بالمستقبل، التعهد بتحسين أحوال الشعب، حتى لو اضطرت الحكومات أحياناً إلى الكذب والتزييف، ولكن دولتنا الغراء تأبى أن تفعل، فهي صادقة شفافة، تسكن القصور وتتنقل في مواكب فارهة وتلبس الحلل الثمينة، ثم تقف بكل “بجاحة” وصفاقة لتقول لنا: “جوعوا تصحوا”.

رحم الله إسماعيل يس، فلو كان حياً لوقتنا هذا، لواجه صعوبة في منافسة “ملوك الكوميديا الجدد”، وإن كانت بضاعتهم رخيصة ومملة، ينفض الناس عنها لثقل ظلها واحتوائها على عبارات خادشة للحياء العام.

قبل أن أنهي كلامي، يحضرني تصريح عابر للحدود جاء علي لسان وزير الأوقاف المصري، أذكره إيمانا مني بحقك كمواطن في نكتة مجانية، إذ قالبثقة: “التفجيرات الإرهابية في المسجد النبوي بالسعودية كانت تستهدف المسلمين”…. قول والمصحف!