علاء الأسوانى

في عالمنا العربي نوع من المثقفين، يعرفه الجميع، يمالئ الحاكم أيا كان اتجاهه ومهما كانت سياساته طمعا فى تحقيق مغانم شخصية، فهو يبدي مظاهر الولاء المطلق والطاعة العمياء للحاكم، ويمتدحه دائما سواء كان على صواب أم على خطأ، وهو يقف يوما مع هذه الدولة، ويوما آخر ضدها حسب تقلب أهواء الحاكم.

هذا النوع من المثقفين المنافقين معروف ومشهور ونراه يوميا فى الفضائيات، وتجده على الأخص فى البلدان المتخلفة حيث اتجاهات الحاكم أكثر تقلبا وجماهير الشعب أقل وعيا، والمغانم الشخصية التى يمكن تحقيقها عن طريق التقرب إلى السلطة أكبر وأوسع.

ولكن هناك أيضا نوعا آخر من المثقفين أقل شيوعا بكثير، وهو المثقف المعارض، وهو نوع أقل شيوعا بالضرورة لأن مغانمه الشخصية معدومة، ويتميز أصحابه باعتزاز شديد بالنفس، ورغبة حقيقية فى تحقيق مصلحة الوطن، وقدر كبير من الشجاعة، ما يجعلهم يصرون على الجهر بالحق ومعارضة الباطل.

هذا النوع من المثقفين يزعج الحاكم جدا بذلك الاعتداد القوي بالنفس، وتلك الجرأة الشديدة على الجهر بالحق، فالحاكم فى البلدان المتخلفة، فى أغلب الأحوال، لم يظفر بالسلطة إلا بطرق غير ديمقراطية (إنقلاب عسكري أو تزوير الانتخابات أو توريث الحكم)، ولم ينجح فى الاحتفاظ بها إلا بدرجة من درجات العنف والقهر؛ لهذا نجد أن العلاقة بين هذا المثقف المعارض والحاكم المستبد فى توتر دائم، لضيق صدر الحاكم بما يسببه له هذا المثقف المعارض من متاعب مستمرة بسبب كونه مناصرا للحق دائما، ومن هذا النوع الفريد من المثقفين المعارضين الكاتب علاء الأسوانى.

عارض علاء الأسوانى جميع الأنظمة التى حكمت مصر فى الخمسة وثلاثين عاما الماضية: عارض نظام مبارك وهو فى ذروة قوته وجبروته، وشارك فى الثورة ضده وإسقاطه، وعارض المجلس العسكرى وساند الثوار ضده فى أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، وعارض نظام الإخوان المسلمين، ودعا إلى النزول فى 30 يونيو من أجل إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بعد أن فقد محمد مرسي شرعيته بالإعلان الدستورى الذى أصدره، ويعارض الآن نظام الرئيس السيسي.

عارض علاء الأسوانى كل هذه الأنظمة، ليس من مبدأ المعارضة من أجل المعارضة، الذى يضم أشخاصا يبدون أحيانا وكأنهم غير قادرين على شيء غير المعارضة، غاضبون على الجميع، فلا شىء يعجبهم ولا شىء يمكن أن يرضيهم، وإنما عارضها وما يزال يعارضها انطلاقا من مبادئ سياسية وإنسانية ثابتة: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن الحريات بكل صورها. وهى فى نظر علاء الأسوانى مبادئ لا تفقد صحتها مع تغير الوقت، ولا تكون صحيحة فى عهد دون آخر، بل هى صحيحة فى كل زمان ومكان، وواجبه الالتزام فى كل العصور، ولكى يحتفظ بنقاء مبادئه تلك، لم يسع علاء الأسوانى يوما إلى منصب أو سلطة أو نفوذ، ودائما ما يرفض أى عروض للمشاركة فى تأسيس حزب أو تكتل أو تحالف، ويرى نفسه كاتبا فقط، والأدب يشغل كل تفكيره بعد قضايا الوطن والثورة والديمقراطية.

وهو ككاتب يعتبر من أنجح الكتاب الروائيين فى مصر فى الخمسة عشر عاما الماضية، حققت رواياته نجاحا جماهيريا كبيرا فى مصر وفى العالم العربى وفى الغرب على السواء، وترجمت أعماله إلى سبع وثلاثين لغة أجنبية، وتصدرت كتبه قائمة الأعلى مبيعا بدول أوروبية عديدة، وحصل على سبع عشرة جائزة عالمية مرموقة، وتم اختياره بواسطة جريدة التايمز البريطانية كواحد من أهم خمسين روائيا فى العالم ترجمت أعمالهم إلى اللغة الإنجليزية خلال الخمسين عاما الماضية.

وقد حقق علاء الأسوانى كل هذا النجاح لما تمتاز به أعماله الروائية من تشويق يبدأ من أول صفحة ويستمر إلى آخر صفحة، وأسلوب سلس وسريع فى الكتابة يصيب الهدف مباشرة وبدقة بالغة، ورسم واضح للشخصيات، ولغة عربية راقية دون تكلف أو تعمد البلاغة، وقبل كل شىء وفوق كل شىء نبل المعنى، إذ لا جدوى من رواية، مهما كانت درجة تشويقها وإتقانها، إذا لم تكن نبيلة المقصد.

ولكن علاء الأسوانى أكثر من مجرد كاتب روائى. نعم إن الأدب تخصصه الذى ينفق عليه الجزء الأكبر من وقته وجهده، ولكنه أيضا كاتبا سياسيا من الطراز الأول، وتشكل مقالاته الصحفية فى مجملها موقفا سياسيا ثابتا، يعبر عن اختيار مبدئي يجرى التعبير عنه بمناسبة أحداث مختلفة، ولكن من مصدر فكري واحد، متسق وثابت لا يتغير.

وقد توفرت لعلاء الأسواني من مقومات النجاح ككاتب سياسي ما يندر أن يجتمع فى شخص واحد: التشويق الذى يجعل القارئ يشعر وكأنه يقرأ قصة وليس مقالة سياسية، والأسلوب الرشيق الواضح، الذى ينتقل من معنى لآخر دون إطالة مملة، والاختيار الموفق للموضوع الذى يكتب فيه، فلا يتناول من الموضوعات إلا ما كان جديرا باهتمام الناس، والصدق الذى يؤدي به إلى اكتساب ثقة القارئ بأنه لا يقول إلا ما يعتقده، والشجاعة التي تمنحه القدرة على انتقاد موقف الحاكم إن وجده متعارضا مع الصالح العام، وعلى مخالفة الرأى الشائع إن لم يكن يعتقد صحته.

اجتمعت له هذه الصفات التى يندر أن تجتمع فضمنت له جمهورا واسعا، وجعلت الصحف تتسابق فى الحصول على مقالاته، وتتفاخر بأنه من كتابها المنتظمين، قبل أن يمنع من الكتابة داخل مصر فى العامين الماضيين.

شعرت بالاحترام والتقدير لهذا الرجل منذ أن قرأت روايته البديعة “عمارة يعقوبيان” فى عام 2002، وزاد احترامى وتقديرى له منذ أن تابعت مقالاته السياسية فى جريدة الشروق، وشاهدت حواراته الجريئة فى الفضائيات، وحين تعرفت عليه بشكل شخصى فى عام 2007 من خلال صالونه الثقافى، الذى يقام أسبوعيا كل يوم خميس منذ حوالى عشرين عاما، وجدت أن الشخص الكامن خلف الكلمات التى يكتبها ينطبق تماما مع الظاهر من صفاته، انطباق ينم عن جرأة وشجاعة أصيلتين فى قول الحق، فعلاء الأسوانى فى رواياته وفى مقالاته وفى ندواته وفى جلساته الخاصة، هو نفس الشخص، لا يتلون ولا يتغير ولا يقول شيئا هنا ويقول أمام الكاميرات شيئا آخر مثل الكثيرين من النخبة المثقفة الحالية، وقربى منه منحنى الفرصة أن اكتشف فيه بعضا من أجمل سمات الشخصية المصرية، فهو حكاء ماهر يجيد رواية ما يمر به من مواقف، وخفيف الظل قادر على رؤية الجانب الطريف فى أى حادث يصادفه، ويضحك له من أعماق قلبه فيضحك معه كل من حوله، وهو رقيق متواضع مع البسطاء من الناس.

فى المرة الأولى التى دعانى فيها علاء الأسوانى للقائه فى نادى اجتماعى يقع بحى جاردن سيتى، ويلتقى فيه أسبوعيا مع عدد من أصدقائه المقربين، حضر شاب نحيل يرتدى ملابس بسيطة، ناداه علاء الأسوانى باسمه ووقف لمصافحته بحفاوة بالغة وعلى وجهه ابتسامة ودودة صادقة، تصورت فى البداية أن هذا الشاب صديق لعلاء الأسوانى أو شخص يعرفه جيدا، وبعد قليل، وجدت أن هذا الشاب قد غير ملابسه ويقوم بخدمة أعضاء النادى. من هذا الموقف البسيط تعلمت أن الكاتب ليس موهبة وثقافة وشهرة فقط، وإنما إنسان قبل كل شىء.

ومن الأشياء الأخرى التى تعلمتها من علاء الأسوانى أن الكرامة الشخصية أهم من المنصب ومن المال، وأن الإهانة لا يمكن قبولها، أيا كان الشخص الذى يوجه الإهانة إليك، وأيا كان الثمن الذى سوف يكلفك رفضها، وأن العدل فى معاملة الناس ضروري حتى ولو أدى إلى الإضرار بشخص قريب إليك أو عزيز عليك، وأن النفاق رذيلة، مهما كان الدافع إليه والعائد منه، وأن رضاك عن نفسك أهم من رضا الناس عنك، وأن الحق يجب أن يقال حتى لو ترتب على قوله ضرر لقائله، وتعلمت أيضا أن الحق يستمد قوته من ذاته وليس من شخص قائله، ومن ثم فإنه يجب أن يحترم حتى ولو أتى على لسان شخص بسيط غير ذي سلطة أو ثروة.

شعرت بفرحة غامرة حين سمعت بخبر حصول علاء الأسوانى على وسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة فارس، والذى يمنح للشخصيات التى أثرت فى الشعب الفرنسى وتعتبر أعمالهم إضافة للثقافة العالمية. وقد ذهبت مسرورا لحضور الاحتفال بتسلمه الوسام يوم الاثنين 19 ديسمبر الماضى فى السفارة الفرنسية بالجيزة، ثم طالعت الصحف وشاهدت الفضائيات فى الأيام التالية فوجدت تجاهل واضح وتعتيم متعمد للخبر، وكأنه لم يحصل على وسام يعتبر من أرفع الأوسمة التى تمنحها الجمهورية الفرنسية، فقلت لنفسى: وما الذى تتوقعه من وسائل الإعلام، سواء الحكومية أو المملوكة لرجال الأعمال، أكثر من ذلك تجاه رجل يقف دائما فى صفوف المعارضة؟ إن قدر المثقف المعارض دائما أن يتحمل مثل هذا التجاهل والتعتيم الإعلامى، بل يتحمل ما هو أشد منه، وينتظر ما سيسديه إليه التاريخ، الذى أعتقد أنه سوف يذكر اسم علاء الأسوانى كواحد من أهم الكتاب والمثقفين فى مصر المعاصرة، وأكبرهم أثرا، وأكثرهم تعبيرا عن المجتمع المصرى، وأشدهم ارتباطا بالآمال الوطنية للمصريين.

جلال الشايب
29/12/2016