“عصيان مصري” على الطريقة السودانية

لا أعتقد أنه سوف يمر وقت طويل قبل أن تبدأ بعض قوى شبابية مصرية فى محاولة استنساخ التجرية السودانية فى “العصيان المدني”، والذى استمر لمدة 3 أيام الأسبوع الماضي، خاصة وأن الأوضاع السياسية والاقتصادية فى البلدين، تكاد تكون متطابقة، أو على الأقل متشابهة إلى حد كبير، رغم الاختلاف الكبير فى طبيعة السلطة التى تحكم فى البلدين!

العصيان السودانى جاء ردا على قرارات حكومة الرئيس عمر البشيربرفع الدعم عن الوقود، والتحرير الجزئى لسعر صرف الجنيه السودانى أمام الدولار، ونجح فى إجبار الخرطوم على التراجع عن قراراتها، بعد أن تسبب فى رفع أسعار الدواء، وهو الأمر الذى أدى إلى اندلاع مظاهرات محدودة فى أمدرمان، سرعان ما قمعتها قوات الشرطة، وإن لم تفلح فى كبح جماح التوقعات باشتعال الأوضاع فى البلاد خلال الأسابيع التالية.

فى هذه الأيام الثلاثة، خلت شوارع الخرطوم من المارة والسيارات إلا فيما ندر، وامتنع الاهالى عن إرسال أطفالهم للمدارس، استجابة لدعوات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعى، لم يكن للأحزاب السودانية الكبيرة مثل الأمة أو الاتحادى أو الشيوعى، أى دور فيها سوى سوى إبداء الدعم المعنوى، ثم إرسال وفد للقصر الجمهورى لتسليم دعوة للرئيس البشير تطالبه بالتنحى عن الحكم، رفض موظفو القصر استلامها بحجة وجود الرئيس خارج البلاد.

هذه القوى الشبابية السودانية الغاضبة التى حركت الدعوة لهذا العصيان، تمثل جيلا جديدا فى السودان، لم يجد فى صفوف الحكومة أو المعارضة أى موقع يحقق من خلاله أهدافه وأحلامه وطموحاته، تماما مثل القوى الشبابية فى مصر التى وجدت نفسها خارج أى تفاعلات سياسية خاصة بعد ثورة 30 يونيو، رغم أنها كانت رأس الرمح فى ثورة يناير التى استهدفت تحقيق تظام سياسى جديد يستند إلى العيش والحرية والعدالة الإجتماعية.

مع غلق مساحات الحريات السياسية فى مصرالتى تحققت بعد ثورة يناير، وتقليم أظافر الحركات المعارضة بالقوانين المقيدة للحق فى الإضراب والتظاهر، وبناء مؤسسات سياسية بإشراف الأمن، فسوف تكون الدعوة للعصيان المدنى فى مصر امر متوقعا، خاصة مع اتجاه السلطة لإتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية على رأسها التوسع فى سياسات الاقتراض من الخارج، وتحميل الفقراء ومحدودى الدخل النصيب الأكبر من تبعات هذه القروض والديون الخارجية التى تقترب من حاجز الـ 100 مليار دولار، سواء برفع أسعار كل السلع والخدمات الأساسية أو بقرض المزيد من الضرائب!

السلطة فى مصر لم تهتم بإقناع المصريين ولا بأخد رأيهم فى سياساتها الإقتصادية التى تتبعها، ولم تحاول تقديم اى تصورات عن الجدوى الاقتصادية لمشاريعها الكبرى، ومتى ستحقق عوائد تقنع المصريين بتحمل فاتورتها الباهظة، ولا متى سترتفع الأجور والمرتبات، وكيف ستلحق بقطار الأسعارالذى فاقت سرعته كل التوقعات.

كل ما تفعله هذه السلطة هو القيام بحملة “علاقات عامة” لتبريرتوجهاتها المتماهية مع روشتة صندوق النقد الدولي، لم تقدم برنامجا سياسيا محددا يمكننا أن نحاسبها على مدى فشلها أو نجاحها فى تنفيذه، لم توضح الفلسفة السياسية التى تؤمن بها، واكتفت بشعارات لا تغني ولا تسمن من جوع!

ربما يكون ” العصيان المدنى ” الذى شهده السودان، هو الحل الوحيد أمام ملايين المصريين، لكى تراجع السلطة المصرية مواقفها التى كبلت حركة الشارع بقيود سياسية عديدة، بنفس القدر الذى حملته بديون فلكية سيكون لها انعكاسات خطيرة على الأجيال القادمة، فحتى الآن لا توجد قنوات سياسية بديلة يمكن من خلالها، إقناع هذه السلطة بالبحث عن مسارات اخرى لحل أزماتنا التى ساهمت هى أصلا – بالنصيب الأكبر – فى تفاقمها بهذا الشكل!