سيادة الرئيس… “ابكي مش هرحم عينيك”!

لا تدار الدول باستدرار العواطف واستحضار “التنهيدات” وافتعال البكاء، بل بكشف الحقائق وانتهاج سياسات واضحة تستند إلي رؤي وخطط علمية مدروسة.

لا يفهم النظام الحاكم في مصر سوى الجزء الأول من العبارة السابقة، فهي تناسب إمكانياته المحدودة وتخدم سياساته المبهمة، أما الجزء الثاني الذي يشترط علي صاحبه الصدق والتجرد والتدبر، فقد أعدنا تصنيعه وتدويره والاستعاضة عنه بخطة “تحيا مصر” 3 مرات.. وكفي!

أوافقك تماماً في أن الأداء التراجيدي له بريق خاص، جاذب للقلوب ويخطف الانتباه، لكنه يصلح فقط علي خشبة مسرح الفن لا مسرح السياسة، فالتقمص والاندماج والمعايشة هي أدوات يتقنها المشخصاتية لاستجلاب التصفيق الجماهيري الحاد، أما السياسي فيجنح أكثر إلي الواقعية وليس الميلودراما، وهنا علي وجه التحديد تكمن أزمتنا.

تألمت كثيراً عندما اختنق صوت الرئيس أمام عدسات الكاميرا واكتفي لثوان بهمهمات باكية، ومصدر ألمي لا يأتي اشفاقاً عليه كما تظن، فلن ألطم الخدود وأشق الملابس علي طريقة “بلهاء الإعلام”، ولن أطالب بدق عنقك لأنك لم ترق وتراعي اللحظة الصوفية التي “تحشرج” فيها صوت الرئيس، بل ألمي كان أعمق لأنني فشلت في معرفة إجابة سؤال يتيم: “علام يبكي الرئيس؟”.

كنت سأصدق الرئيس لو كانت دموعه نادمة، لو نطق معتذراً بكلمة “سامحوني”، لو طلب منا أن نغفر له خطايا إنجازاته الباهتة، لو طلب أن نصفح عن مغالاته في تهميشنا واقتيادنا نحو المجهول، بل أقسم أنني ما كنت لأعاتبه ولا كنت لأحاسبه، فقط لو أفاق وأتاب وردد مع الصابئين: “تيران وصنافير مصرية”.

أبكانا الرئيس ليس لبكائه، ولكن حسرة على بلد ينجرف إلي القاع، على تاريخ سيتذكر كيف تحولنا من حلم “قد الدنيا” لـ”وطن ضايع”، وكيف تبدلت بنا الأحوال فمحونا من دستورنا شعار “ارفع رأسك يا أخي”، لنستبدله بشعار أكثر ملائمة لمقتضيات المرحلة الراهنة: “لازم كل واحد يحط إيده في جيبه ويجيب حاجة”.

لا أهيم عشقاً في الرئيس بالقدر الذي يمنعني من ملامسة أخطائه ونكأها، ولا أهجوه بدافع الحقد عليه أو طمعاً في منصبه، بل أحاول محاسبته علي فاتورة ثقيلة بات سداد ثمنها واجباً وحتمياً، ولم يعد مقبولاً فيها أي تنصل أو مراوغة، ولن تشفع أيضاً مغازلته الرقيقة لمشاعرنا بـ”نفسي اعملكوا كل حاجة حلوة يا مصريين”.

سيدي الرئيس، حاولت أنت ورجالك اقناعنا أن انهيار العملة إنجاز، والاستدانة خلاصنا، وفرض الجباية علينا وطنية، والفشل في توفير الدواء والسلع “أحسن كتير من مصير سوريا والعراق”، والحريات تعني الخيانة والعمالة، والديمقراطية لاتلائم شعب جائع، والتعليم “مش وقته”، ولقمة العيش تجب الانسانية والكرامة، ومن يدفع يملك الأرض، وأن الكيان الصهيوني اسمه “السلام الدافئ”، وأخيراً أفقنا من غيبوبة “فلسطين العروبة والأمن القومي وحقوق الأشقاء”، لنكتشف أن كل شئ محكوم باعتبارات انتهازية وقاعدة “شيلني وأشيلك”.

فقدان البوصلة ليس عيباً، ولكن الأفدح هو التماهي مع العيب وإدمانه، فما ثار هذا الشعب مرتين غاضباً إلا ليجني ثمار الحرية، ولم تكن ضالته في رصف طريق أو افتتاح مطار جديد، قدم التضحيات تلو الأخري دفاعاً عن الأرض، ولم يحسب أن التفريط فيها سيكون بجرة قلم، ثار ضد من أرادوا له أن يعبد صنماً واحداً، فها هم يطالبونه بالسجود لإله جديد يأمر ولايؤمر.

حان الوقت سيدي الرئيس لأن تجلس في غرفة الاعترافات تطلب الغفران،فكم من الإخفاقات يحتاج النظام ليقر بخطاياه؟ كم يلزمك من الوقت لتمزيق أوراق أي تفويض بيننا وبينك، فما عدنا نصدق وعودك، هي “شبه دولة” كما وصفت، وهو قطعاً مكان ومنصب لا يليق بقدرات ومؤهلات “طبيب الفلاسفة”، فليكن أبغض الحلال الآن وليس غداً.

عفواً سيادة الرئيس، لم تلمس همهماتك الباكية غشاء الرحمة في قلبي، بل علي العكس أطلقت طوفان من مشاعر الغضب نحوك، وبينما كان حواريوك يرددون في مدحك كل أغاني العشق، أدرت مؤشر الراديو علي أغنية وجدتها تناسب وتختصر كل مشاعري تجاهك في جملة واحدة، يقول مطربها الذي أراد الثأر لنفسه ممن باعه وخدعه: “ابكي مش هسأل عليك، ابكي مش هرحم عينيك”!