المهدي المنتظر.. بفتح الظاء أم بكسرها

(1)
المهدوية مصطلح نسبة إلى “المهدي المنتظر” وهو مصطلح يعبر عن فكرة تندرج بشكل عام تحت فكرة أعم واشمل هي فكرة “المخلص”.
هذه الفكرة العامة والشاملة في حقيقة الأمر ليست خاصة بالمسلمين وحدهم، فأغلب البشر على هذا الكوكب يعتقدون بها بطرق مختلفة سواء المسلمين السنة أوالشيعة من جهة أو المسلمين من أهل الحديث أوالمتكلمين أوالمتصوفة من جهة أخرى تحت عنوان المهدي.
أيضا المسيحيون بمختلف طوائفهم وتحت عنوان “المجيئ الثاني” يعتقدون بها بتفسيرات مختلفة حسب كل طائفة، بل في اليهودية أيضا وتحت عنوان “المسيح المخلص” و”الملك المنتظر” وبتفسيرات أيضا مختلفة بين طوائف اليهود المتعددة .
ولا يتوقف الأمر على أصحاب الديانات السماوية الثلاث الكبرى بل يمتد لأديان أخرى، فنرى على سبيل المثال في الديانة الزرادشتية أن أتباعها ينتظرون أيضا المخلص الموعود الملقب بـ”سوشيانس” وفي البوذية أيضا هناك فلسفة خاصة تختلف تأويلاتها في المدارس البوذية المختلفة حول “المخلص المنتظر”، وغير ذلك الكثير من المعتقدات البشرية القديمة التي أيضا تناولت نفس الفكرة ففي الديانة المصرية القديمة وبعد انتهاء عصر الأسرات بآخر ملك مصري وطني هو “نخت انبو الثاني” كان هناك اعتقاد كبير بأنه رحل لمكان بعيد وله نسل سيأتي منه “مخلص” لمصر يعيد عصر فراعنتها العظام والتاريخ يذكر كيف أن الإسكندر الأكبر حين وصل مصر أشاع الكثيرون أنه “الفرعون المنتظر” بن نخت انبو.
(2)
يبدو مما سبق أن هذا الطرح وفكرة “المخلص” ليس من العدل والإنصاف أن نتناوله فقط وكأنه حالة إسلامية خاصة بالمسلمين وأن نتعرض له بشكل سطحي عن طريق النصوص والأحاديث والقرآن فننكره أو نثبته من خلالها، فالحقيقة أن القضية تبدو أكبر من ذلك بكثير وأنها حالة بشرية معتادة رافقت بني آدم منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، وأنه على الباحث المنصف أن يتناول قضية كهذه من منظور فلسفي واجتماعي وعقلي أولاً، وأن يتساءل ويحاول الإجابة لماذا يميل البشر لانتظار “مخلص”؟ هل ذلك لكسل منهم أو تواكل؟ وهل هذا الميل فطري غريزي أم أنه تم زرعه في البشر؟ وهل معنى “المخلص” هو مرتبط فقط بأهل العقائد والملل أم أنه يمتد ليشمل مجالات الحياة البشرية كافة؟ فهل ينتظر الملحدون على سبيل المثال “مخلصا” بمعنى أو بآخر وبأي تأويل؟ وهل ينتظر الفلسطينيون “مخلصا” ينتصر لقضيتهم؟ ربما أيضا ينتظر الليبراليون أو الشيوعيون أو غيرهم من أصحاب النظريات السياسية في مصر “مخلصا”؟ وقبل أن تتعجل في الإجابة بالنفي أو الإثبات أو اتهامي بالجدل والتلاعب عليك أن تحدد معي أولاً ما هو المعنى الذي قد نقصده عن المخلص ابتداء.

(3)
يميل البشر فطريا لـ“التخلص من الظلم والتطلع لحياة أفضل” ، وهذه قاعدة نبدأ بها كلامنا ولا نختلف عليها ولا داع لإثباتها فهي تبدو بديهية والجدل حولها يكون بلا طائل، وبما أن البشر بطبيعتهم يميلون لـ”التخلص من الظلم والتطلع لحياة أفضل” فهم يعلمون بالفطرة أيضا أنه لا مفر من التحرك لتحقيق هذا الهدف، وكل تحرك جماعي يسعى إليه مجموعة من البشر فبالضرورة العقلية والفطرية يحتاج لتنظيم، والتنظيم يحتاج إلى رأس مدبر وواع.
هذا الأمر وهذه القاعدة العقلية لا تحتاج أيضا إلى جدل فتنظيم أي عمل في هيكل له رأس أو قيادة ليس معناه أبدا ولا بأي شكل من الأشكال أن الناس قطعان ماشية يحتاجون من يسوسهم!، هذه الفكرة السطحية هي التي دمرت كل عمل منظم نحاول القيام به، دمرت كل محاولاتنا المشروعة لتحقيق حياة أفضل، على سبيل المثال تلك الكلمة العجيبة التي انتشرت في ثورة يناير “أحلى حاجة في الثورة دي إن مالهاش قائد!!”
القيادة مكانة فطرية وطبيعية لا يمكن أن يتحقق أي هدف جماعي بدونها، بل إن الإنسان الناجح اليوم يسعى للحصول على دورات مكثفة لاكتساب مهارت القيادة حتى يستطيع أن يقود مؤسسة ما أو يتولى منصبا ما.. إلخ
(4)
إذا فميل أي إنسان للبحث عن قائد هو فطرة إنسانية طبيعية ليست نقيصة ولا عيبا في ذاتها، وكلما ارتفع الهدف وعظُم كلما أصبحت مواصفات القائد أكثر صعوبة وتعقيدا فالبحث عن قائد لمجموعة رياضية عادية يختلف عن البحث عن قائد لتدريب المنتخب الوطني يختلف عن قائد على رأس الدولة، يختلف قائد لمؤسسة دينية عن قائد لمجموعة من الفلاسفة… إلخ
وبالتالي حينما يتعلق الأمر بطموح البشرية للوصول للعدل والمثالية -وهو طموح مشروع لا يمكن لوم البشر عليه- بالضرورة ستكون مواصفات القائد الذي يريده البشر خاصة جدا وفريدة من نوعها ليستطيع أن يحقق هدفا يبدو مستحيلا أو صعبا لأبعد الحدود من الوهلة الأولى.

(5)
عند وضع أي أهداف جماعية يختار الطامحون إليها أحد طريقين، الطريق الأول هو الجلوس والانتظار حيث يرى كل واحد فيهم أن الأهداف الموضوعة تحتاج مواصفات محددة للقائد غير متوفرة وبالتالي لن نبدأ في المشروع ولن نتحرك حتى يتوفر هذا القائد ويأتي ليخبرنا ماذا نفعل! وهذا الطريق علميا وعقليا يؤدي بالضرورة للفشل والانهيار وتحطيم الأهداف لأي مشروع جماعي كبر أو صغر.
بينما يسلك آخرون الطريق الثاني وهو العمل على تحقيق الأهداف بشكل واع قدر الإمكان فيبرز تلقائيا وطبيعيا القائد ويظهر بينهم لأن القائد لا يظهر إلا في بيئة عمل مناسبة لطبيعته، هذا حكم عقلي فلا يمكن أن يبدأ القائد عمله إلا مع مجموعة، يعني بشكل آخر وجود شخص بمواصفات القائد لا يعني بالضرورة ممارسته القيادة إلا في وجود مجموعة يقودها وإلا سيكون “قائد مع إيقاف التنفيذ”، هذه المجموعة جاهزة ومستعدة وتسعى لتحقيق الأهداف وتواجه التحديات فيحدث التحام تلقائي بينها وبين القائد المناسب.
إذا فليست المشكلة أبدا في انتظار القائد المثالي صاحب المواصفات التامة وإنما المشكلة هي أي الطريقين يسلك هؤلاء المنتظرون؟ فإذا كانوا سالكين للطريق الأول فهم هالكون لا مفر.

(6)
على مدار التاريخ كان أصحاب الظلم والظلمات وأرباب السلطة السياسية المستبدة يفزعون من هذه الأهداف التي يضعها الناس مجتمعون “تحقيق العدل والتخلص من الظلم والتطلع لحياة أفضل” ويعملون جاهدين عبر مؤسساتهم الدينية المصطنعة وأبواقهم الإعلامية الكبرى وعملاؤهم داخل التجمعات المختلفة لهدم هذا المشروع بتحويل مساره ليصبح المسار الأول لا الثاني فيحولون القضية التي أساسها مشروع يتحرك نحو القائد إلى مشروع مؤجل ينتظر القائد، فيتحول القائد المنتظر إلى “رجل أسطوري خرافي سيأتي بعصا سحرية ليغير هذا الكون” وكلما مر الزمان ولا يأتي هذا الشخص يصاب البشر بإحباط ويأس ويبدأون في السخرية من الفكرة وهي في حقيقتها سخرية من المشروع وهدم لحقيقته وينجح أصحاب الاستبداد في تحقيق هدفهم بشكل كبير.
بينما في فترات تاريخية مختلفة من عمر الإنسانية اتضح جليا أنه حين يسلك الناس الطريق الثاني يلتحمون تلقائيا بالقائد الذي غالبا ما يكون بينهم وهم لا يشعرون ويكون واحدا منهم لا فوقهم ولا مستبدا ولا متعال عليهم ولا هابطا من السماء بعصا سحرية، ويدركون وقتها أنهم هم أنفسهم عصاه السحرية وأنهم هم أنفسهم معجزته التي كان هو نفسه ينتظرها وليس عليه سوى أن يقودهم وهم قادة في منظومة متناهية الإبداع والترتيب والقوة.

(7)
منكر هذا الأمر والرافض له والذي يقوم بالتنظير بشكل أوبآخر على الناس منكرا انتظارهم لمخلص أو مهدي لا يدرك في حقيقة الأمر وفقا لما شرحناه في النقاط السابقة أنه لحظة إنكاره هذه يدعي المهدوية أصلا !
نعم فهو رغم رفضه لانتظار الناس لقائد يقدم نفسه في هذه اللحظة كقائد ينير عقول الناس ويوعيهم دون ان يشعر، لا يعي أنه في هذه اللحظة يقول للناس أنا “مهديكم المنتظر” الذي يريد أن يقودكم إلى وجهة نظره ومشروعه، فيقع في تناقض عجيب بين إنكاره للقيادة وتقديم نفسه كـ”مخلص” للناس من أفكار يراها من وجهة نظره بالية أو غير مجدية.
لذلك حين استمع لأي شخص يلوم على الناس أنهم ينتظرون المهدي أراه كذابا أشرا لأنه في حقيقته الجلية يقول “أنا المهدي” وعليكم أن تتبعوا رأيي الذي أراه صوابا.

(8)
المهدوية والمخلص فطرة اجتماعية وإنسانية لا يمكن أن تنفك عن البشر في كافة أمورهم الاجتماعية والمجتمعية، والمستنير حقا هو من يدفع الناس للسير في الطريق الثاني فيحدد معهم أولا الأهداف التي يريدون من القائد المنتظر أن يحققها ثم يشجعهم في الانطلاق إليها بكل إمكانياتهم المتاحة على ضعفها أو قوتها، وحينها سيتحرك الناس ضد الظلم مطالبين بالعدل منتخبين تلقائيا أفضلهم وأقربهم لهذه الأهداف ليقودهم نحوها ولأنه أقربهم سيقودهم بنجاح، حتى إذا كان أفضلهم ولكنه ضعيفا مقارنة بالقائد المثال سيقود تحركه بهم بالضرورة إلى بروز قائد أقوى أكثر خبرة وأكثر قوة وهكذا إلى أن يتطور الامر فيلتحمون بالقائد الموعود الذي في حقيقة الأمر ظهر وخرج بهم أنفسهم وكأنهم هم من أعطوه منصب القيادة.

(9)