ونطير مع نسمة شاردة

“هرب جابر وكان يتمنّى نظرة من بلده.. إسكندريّة، كَفَر جابر والجُبر زاده جُبر…. صادف راجل وقال له انزل للناس هتلاقي الخير كتير، وزي عادته نزل يسرق الخير…. تاب جابر لما شاف الناس، شاف هلال بيدّي من غير حساب وصليب بيوهب من غير حدود، وعرف إن الله موجود في قلب كل إنسان”.

بآداء أكثر من عبقري اختتم الكبير محمود عبد العزيز بتلك العبارة فيلمه البديع “الحدق يفهم”. كان يتحدث بنبرة مختلفة عن نبراته الشهيرة في أدواره المعروفة، كان يتحدث كمحمود عبد العزيز ابن الإسكندرية المشتاق والعاشق المتيّم بالجمال غير المرئي وغير المحدود النابع من قلوب العباد، وهنا يمكننا أن نلخص مكانة الرجل في القلوب التي آمن بها وقرر تقديمها بكل ذرة في كيانه المترع بحب البشر والذوبان في تفاصيل الحياة البسيطة.

الرجل الوسيم، طويل القامة وبهيّ الطلعة خفيف الظل قرر التمرّد على وسامته وجاذبيته تاركاً أدوار العاشق التقليدي متجهاً نحو أكثر الأدوار صعوبة وتركيباً، فتنقّل بين دور المنجّد قبيح المظهر رث الثياب في فيلم “جري الوحوش”، والمطرب الهابط المنحرف في “الكيف”، الشيخ الكفيف الحشّاش في رائعة إبراهيم أصلان “مالك الحزين” التي قدّمها في فيلم “الكيت كات”، وشخصية الحاوي الشعبي الشقيان الخائف على ابنته وعلى قوت يومه في فيلم “الساحر” للراحل رضوان الكاشف، حيث اكتسب محمود عبد العزيز لقبه الأشهر على الإطلاق. وأصبح الساحر ساحراً.

لسنا هنا بصدد رصد الأعمال الفنيّة وإحصائها بقدر ما نريد التحدث عن رجل قرر بينه وبين نفسه أن يعلو فوق الأضواء وكاميرات الإعلام والقيل والقال و”حركات النجوم” المعهودة ليصبح نشاطه الأوحد هو التوحّد والتماهي مع شخصية كل من مرّ في ذلك الشارع وتلك الحارة البسيطة ليصبح لدينا نجم يعشقه الجميع بلا استثناء لأنهم قد وجدوا فيه كل ما ومن يحبون.

اليوم رحل الساحر، مات كما يموت العباد وليس لنا على ذلك من اعتراض ولكننا كقليلي الحيلة نلعن ذلك الفراق المقيت الذي يختطف من بيننا من أجادوا صناعة أمزجتنا وتشكيل تواريخنا المختلفة بكل ما قدّموا من جمال. والحالة الخاصة هنا تكمن في نبرة صوت لن تختفي ونظرة لا تُنسى من رجل كفيف جلس بيننا في جلسات البهجة يوماً ما يروي لنا قصة فقدانه للبصر ليأخذنا يميناً ويساراً ولا نعلم في النهاية سبب فقدانه لبصره ولكنه كان قد طرحنا أرضاً من الضحك على أسلوبه في سرد أكبر مآسيه، ثم جلس بيننا مرة أخرى في جلسة سمر ومزاج جديدة ليغنّي لنا “يا ملتقى الصحبة”.

فقدنا الشيخ حسني الضرير العابث بالمبصرين، المغنّي بين الطرشانين. فقدنا أحد أعظم الضاحكين على شرّ البليّة، المُعلّم الطائش والتلميذ الحكيم، التائب المتمرّد والضال الشهم. اختطف الموت محمود عبد العزيز بطل الأحلام المجنونة لرأفت الميهي ورجل الـ”سمك لبن تمر هندي” وزوج الأربعة العبقري الصعلوك، زوج “فوزي” أو “فوزية أم رجلين حلوة” الذي اختارته الأقدار ليصبح زوجاً لسيّدة اختارت التحوّل الجنسي لتصبح زوجة وصديق.

شخصيات لا تنتهي لا نعلم من بينها أين يكمن محمود عبد العزيز الذي نعشقه! من هو محمود عبد العزيز من بين أولئك؟ وهي حالة من الذهول والحزن لم تحدث من فراق أحمد زكي لأسباب مشابهة. تركنا الشيخ حسني جالسين في أماكننا وذهب ليطير مع نسمة شاردة قائلاً “ياللا بينا تعالوا، نسيب اليوم في حاله.. وكل واحد مننا يركب حصان خياله”

وداعاً أيها الساحر، لنا في حبّك وإبداعك كلام لن ينتهي كذكرياتنا مع كل جملة وكل حركة وكل لحظة في تاريخك الثري. وليبقى نورك في القعدة تملّي.