ظلام فى نهاية النفق

لا أحد فى مصر يدري شيئا عن طبيعة مستقبلنا الاقتصادى، ولا عن توقيت نهاية خطط الحكومة التقشفية، سوى إشارات غامضة بأنها ستنتهى بعد 3 سنوات، وبالطبع لا أحد يعرف شيئا مؤكدا عن نتائج هذه الخطط، وهل ستنجح فى رفع مستوى معيشة الأغلبية العظمى من المصريين الذين يحترقون يوميا بغلاء أسعار كل انواع السلع والخدمات، ومن فرض الضرائب القاسية عليهم؟ أم أنهم سيعتادون على هذه الحياة الخشنة التى تهوى بالملايين منهم إلى ما تحت خط الفقر المدقع ؟!

الرئيس وعدنا منذ عامين بأننا “سنرى العجب”، وأن مصر ستكون “أد الدنيا”، ولكنه على ما يبدو لم يستطع الوفاء بوعوده، ولم يخبرنا عن السبب أو الأسباب التى جعلت أوضاعنا الاقتصادية أكثر بؤسا من أيام مبارك، وحتى بعد أن أطلق يد حكومته فى التنفيذ الحرفى لروشتة صندوق النقد، لم يعدنا بشىء محدد أيضا، ولم نعد نعرف ما الذى ينتظرنا بالضبط فى نهاية النفق؟!

الرئيس يرى أن حكومة شريف اسماعيل هى أول حكومة مصرية منذ يوليو 52 تواجه أزماتنا الإقتصادية بشجاعة، ويعترف بأنها تضع حلولا مؤلمة لهذه الأزمات، وأن علينا أن نصبر قليلا حتى نحصد ثمار خطط الإصلاح التى تنتهجها، إلا أن ارتفاع الأسعار الفلكى فى الأسعار يهدد بفشل هذه الخطط التى أصبحت – حرفيا لا مجازيا – تهدد حياة ملايين المصريين، خاصة بعد تخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار وانهيار قوته الشرائية.

فطبقا لتقرير التنمية البشرية للعام الحالى الذى أصدرته وزارة المالية، ونشرته “الأهرام” السبت الماضى، تم تحديد خط الفقر المدقع ب 3920 جنيها شهريا، وهو المبلغ الذى يكفى احتياجات الأسرة الغذائية، ويوفر لها السعرات الحرارية التى تبقيها على قيد الحياة طبقا للمعدلات الاقتصادية العالمية، بالإضافة إلى إنفاقها على الأغراض الأخرى غير الغذائية، فماذا يفعل ملايين المصريين الفقراء ومحدودى ومتوسطى الدخل الذين تقل أجورهم الشهرية عن هذا المبلغ الذين سيكون بقاؤهم على قيد الحياة معجزة فى حد ذاتها ؟

الكثير من الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن خطط الحكومة التقشفية التى تنفذها مقابل حصولها على قرض صندوق النقد ستؤدى إلى خفض معدلات التشغيل، وتقليل الدعم وصولا إلى إلغائه مع زيادة التضخم والبطالة، وهو ما سيؤدى بالضرورة إلى خفض معدلات الاستهلاك، بالإضافة إلى زيادة تكاليف الإنتاج خاصة بعد رفع سعر الوقود وتعويم العملة الوطنية، علما بأن نسبة المكون الأجنبى فى مستلزمات الصناعة المصرية يتراوح ما بين 30 % إلى 50 % ، كما تقول د. سلوى العنترى المدير السابق للبحوث بالبنك الأهلى !

خطط الحكومة للإصلاح الإقتصادى ستؤدى إلى إنهيار إقتصادى محتوم، فالكثير من المشروعات المتعثرة ستغلق أبوابها، وإقامة مشروعات جديدة سيكون ضربا من الأوهام، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضيق السوق المحلى، وتراجع مستويات الاستهلاك، ولن يكون أمامنا سوى طريق واحد للنجاة من هذه الكارثة وهو فتح أسواق خارجية أمام منتجاتنا الوطنية بمعدلات كبيرة، وهو أمر ليس سهلا بأى حال من الأحوال، إن لم يكن مستحيلا !

مع إقدام الحكومة على إبرام اتفاقية القرض مع صندوق النقد، وسعيها لتوقيع قرض مع روسيا لبناء محطة الضبعة النووية، ستكون أزماتنا الاقتصادية أكثر صعوبة، خاصة عندما يأتى الوقت الذى ينبغى أن نسدد فيه هذه القروض الفلكية بفوائدها الباهظة، فساعتها ستضطر الحكومة لاتخاذ المزيد من القرارت المؤلمة، التى لن يعد لدى أحد فى مصر القدرة على احتمالها.

نحن أمام مستقبل غامض ، الحكومة لم تشركنا فى وضع برامجها، فرضت علينا دفع أثمانا غالية لمغامراتها الاقتصادية وأوهامها الإصلاحية، وتعالج مشاكلنا السياسية بعقلية أمنية عفى عليها الزمن ..بدون أن تعطى لنا الفرصة للاعتراض وتقديم حلولا بديلة!