السلفية المصرية.. تعدد البدايات وخطورة التحولات (1)

كما هو الواقع السلفي في مصر اليوم من حيث الالتباس والتفاوت وتباين ألوان الثوب السلفي من التشدد الوهابي إلى التماهي الصريح مع رغبات السلطة القائمة- كذلك يمكننا أن نرى ذلك التباعد في تقدير الزمن الذي نشأت فيه الحالة السلفية في مصر.. وربما لا يُعَدُّ تجاوزا حين ننعت السلفية بالمصرية، فلا شك أنها اكتسبت تلك الخصوصية، وإن لفظتها الآن لحساب نوع آخر من التسلف يبدو متنافرا تماما مع كل ما هو مصري.. يضاد الواقع ويصدم المجتمع بكثير من الرؤى والآراء تعميقا لممايزة استعلائية لا تبدو مجدية، خاصة في مجتمع يموج بمتغيرات متلاحقة تستعصي على المواءمة، ولكنها تبقى متجاورة لتشكل وجه مجتمع حادث تاهت ملامحه بالكلية بين وافد يتذرع الماضي، وآخر لا قدرة لديه على قبول شيء؛ حتى أنه يتجلى ناتئا شائها دونما حاجة إلى تجمل.

يعرّف الدكتور محمود أمين العالم السلفية فيقول بأنها نزعة دينية تتخذ من العودة للأصول، ومن الاستئناس بتراث الماضي، معيارا أساسيا لتقييم الحاضر، ومواجهة وصياغة المستقبل.. كما يستعير تعريفا لشيخ المغرب علال الفاسي داعية السلفية التجديدية الذي يرى أنها تمرد على الحاضر، واستنجاد بالماضي، واكتساب طاقة حرارية تذيب جمود المجتمع؛ لتدفعه للسير قدما نحو مستقبله.

وبالقطع فإن هناك من التعريفات للسلفية ما يجل على الحصر، ويرجع ذلك إلى تداخل العقائدي بالسياسي والمعرفي بالعملي؛ مما أحدث التباسا كبيرا لا يخفى على أحد.. كما أشرنا سلفا إلى الاختلاف الحادث حول النشأة التي يرجعها بعض أتباع السلفية إلى الفتح الإسلامي لمصرعام22هـ وقدوم عدد كبير من أصحاب الرسول، إلى مصر وبقائهم بها، وهم أهم الفئات الثلاث التي حُددت لتشكل السلف الصالح الذي يُعَدُّ فهمهم للكتاب والسنة ملزما للسلفيين، ويلي تلك الفئة التابعون وتابعو التابعين، وهذا الرأي يتسق وقول القائل بأن السلفية هي العودة إلى المنابع الصافية للإسلام، وتخليصه مما علق به من شوائب وأدران.. لكننا يجب أن نسأل عن الأثر الذي تركه هذا القدوم، وخصوصا أن البلاد ما لبثت أن وقعت تحت نير جور الولاة الذي كان من مآلاته أحداث الفتنة الكبرى التي أسهم المصريون فيها بنصيب لا ينكر!

ينقلنا رأي آخر للعام 1818، حين استطاع إبراهيم باشا الفاتح القضاء على الدولة السعودية الأولى، وهدم وخرب عاصمتها الدرعية، واقتاد عددا كبيرا من الأسرى إلى مصر من أبناء وأحفاد آل سعود، وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنهم الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ الذي أفرج عنه عباس حلمي قبل وفاة محمد علي، وروي أنه كان يحضر الدروس في الأزهر الشريف، ويجلس إلى علمائه يسألهم ويناظرهم، مع ما يبديه لهم من الإجلال والتوقير الواجب.. ويعتبر البعض عبد الرحمن آل الشيخ أول من وضع بذرة السلفية الوهابية في مصر، لكن هذا القول لا يخلو من مبالغة إذ لم يترك الرجل آثارا دالة ولا تلاميذ ولا مريدين ولا مؤلفات، فعلى أي أساس يمكن قبول أنه من وضع بذرة السلفية الوهابية التي قامت دعوتها الأصلية على أساس “تطهير المجتمع من البدع والعادات والتقاليد المخالفة للشريعة كزيارة المقابر والإيمان بالأولياء والسحر والتنجيم والتعاويذ والتصوف الشعبي وتقديس الموتى”.. وهي بذلك لا يمكن اعتبارها مذهبا يشبه المذاهب الإسلامية الأربعة، وإن كان من الواضح ارتباطها الشديد بالمذهب الحنبلي إلا أنها تتزعم الدعوة إلى “تجاوز كل المذاهب الإسلامية التي سبقتها والعودة إلى الاجتهاد اعتماداً على الكتاب والسنة فقط”.

وللشيخ محمد رشيد رضا دور هام في دعم التوجه السلفي في مصر، وكانت له صلات قوية بالوهابيين بالجزيرة العربية، وقد استغل الشيخ مجلته” المنار” ومدرسته” الدعوة والإرشاد” في نشر الفكر السلفي، وقد كان الشيخ كما هو معلوم أحد تلاميذ الإمام محمد عبده، وأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني، وكان الشيخ والأستاذ ينحوان منحى عقلانيا جعلهما يرفضان كل البدع والخرافات وما صحبهما من طقوس وممارسات، وبالطبع فإن هذا الرفض العقلاني، كان قريبا –على نحو ما- من التوجه السلفي الذي ناصب كل تلك “المُحدثات” العداء؛ لذلك لا نجانب كثيرا حد الصواب إذا قلنا أن التأسيس للسلفية المصرية لم يكن بعيدا أبدا عن تأثير الأفغاني ومحمد عبده.. ولا يقدح في ذلك أن رشيد رضا نحا بها بعد ذلك منحى وهابيا، واتصل تلاميذه بالدولة السعودية التي كانت في محاولة تأسيس جديدة، مثل الشيخ حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، الذي سافر إلى الحجاز وأسس مجلة الإصلاح الحجازية.

وتوالت صلات شيوخ الجماعة بالمملكة العربية، فانتدب الشيخ عبد الرزاق عفيفي الرئيس الثاني للجماعة للتدريس هناك بطلب من الملك عبد العزيز، وأنشأ الشيخ عفيفي كليتي الشريعة واللغة العربية، وأدار المعهد العالي للقضاء، وصار عضوا بهيئة كبار العلماء كما درّس الشيخ عبد الرحمن الوكيل الرئيس الثالث للجماعة مادة العقيدة بقسم الدراسات العليا بكلية الشريعة بمكة المكرمة، أما الشيخ محمد عبد الظاهر أبو السمح، أحد مؤسسي الجماعة، فقد أجاب طلب الملك عبد العزيز ليكون إماما وخطيبا ومدرسا بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، ومن ثم مؤسسا لمدرسة دار الحديث ومتوليا لإدارتها.

قبل ذلك كان الشيخ محمود محمد خطاب السبكي احد كبار علماء الازهر قد أسس الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة عام 1912، مما يعده البعض التأسيس الفعلي للسلفية المصرية في العصر الحديث، وللشيخ إسهام علمي لا ينكر، كما كان رحمه الله محاربا للبدع والخرافات، وناشرا لتعاليم الدين الحنيف بطريقة مبسطة ومحببة؛ فصار له أتباعا ومريدين، كما كان لأعماله الخيرية دور هام في انتشار دعوته، وقوة تأثيرها في نفوس المصريين.. ترك الشيخ مؤلفات قيمة منها “الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق” في ثمانية مجلدات، وكتاب “المنهل العذب المورود في شرح سنن أبى داود” في عشرة مجلدات و”فتاوى أئمة المسلمين بقطع ألسنة المبتدعين” وقد اتخذ الشيخ مسجدا بحي الخيامية بالقاهرة ليكون مقرا له، وكان بلقي به الدروس، كما عرف عنه انخراطه في أعمال المقاومة ضد المحتل الغاصب.

لقد تعرضت السلفية المصرية لمؤثرات عديدة بفعل تنازع شديد بين خصوصيتها، ومحاولات صبغها بغير ما يصلح لها من أشكال البداوة وتجلياتها، مما جعلها في وضع أشبه بالمنبت الذي” لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى” برغم أن استقلالها وتفردها كان هو الأجدى والأنفع لها وللأمة كلها.