البحث عن الإخوان

مع استمرار موجة الركود فى حياتنا السياسية منذ ثورة 30 يونيو وحتى الآن، يبدو أن هناك حاجة ملحة، لكي نطرح نقاشا عاما حول إمكانية عودة الإخوان المسلمين لممارسة نشاطهم السياسى بشكل علني مرة أخرى، بعد أن فشلت التيارات الليبرالية واليسارية فى بناء تيار معارض يستند إلى قواعد جماهيرية يكبح جموح السلطة الحالية فى بناء نظام سياسى بدون معارضة حقيقية، كما لا يبدو أن هذه التيارات تمتلك أي قوة سياسية تحول دون سعى السلطة لبناء دولة الفرد، في استدعاء سوقى ورخيص للتجربة الناصرية، أو بالأحرى أسوأ ما فى هذه التجربة الناصرية!

عودة الإخوان ليست الحل النموذجي لمشاكلنا الديمقراطية الحالية، لكنها الحل المتاح وربما يكون الوحيد الآن، لتحريك المياه الراكدة فى وقت تتخذ فيه الحكومة قرارات مصيرية خطيرة، توجع الناس بل وتعرض مستقبلهم لمخاطرشديدة، منها ما يتعلق بقروض تبلغ مليارات الدولارات واتباع سياسات اقتصادية ستؤدى فى نهاية المطاف إلى التبعية للدول الغربية، ومنها ما يتساهل فى التنازل عن الأرض، والتراخي عن مواجهة تهديدات لحقوقنا فى مياه النيل.

الحقيقة التى يتجاهلها البعض أن “دولة 30 يونيو” فشلت – حتى الآن – فى تحقيق أهداف “ثورة 30 يونيو”، مساحة الحريات العامة تتآكل بمرور الوقت ، ماكينة البؤس لا تتوقف عن استصدار العديد من القوانين المعادية للدستور لفرض قيود على حركة الشارع وتأميم المجال العام، السجون تمتلىء بالنشطاء والشباب سواء بحق أو بدون حق، نعيش فى بيئة سياسية تفتقر إلى وجود معارضة حقيقة؛ لأن أحزابنا الكبيرة والصغيرة بلا تأثير، تؤيد النظام أكثر مما تعارضه، ظلت – كما كانت منذ نشأتها – أحزاب كارتونية، غيابها كوجودها، لا أحد يشعر بها، وحتى البرلمان لم يثبت أنه ينتمى لشعارت يناير ولا يونيو، وسط أزمات إقتصادية متفاقمة يئن منها الناس بدون أى أمل فى إصلاح أحوالهم المعيشية قريبا، مع استمرار الحكومة فى سباق رفع الأسعار وفرض الضرائب .

قد يكون لدى الكثيرين تحفظات مهمة ومنطقية حول عودة الإخوان المسلمين، صحيح أن الإخوان كان لهم دور مهم فى ثورة يناير وبالذات فى موقعة الجمل ، إلا أنهم لعبوا أيضا دور البطولة فى الإنقلاب على مطالب الثورة، بعقدهم الصفقات السرية من وراء ظهرشركائهم فى ميدان التحرير، وفى ذروة أزماتهم مع الجيش قبيل سقوط الرئيس محمد مرسى، كشفوا عن وجههم الفاشى القبيح واستعانوا بالتيارات الدينية المتطرفة، بشعارات طائفية معادية للديمقراطية وللحداثة وللمجتع المدنى الذى استخدموا آلياتها للوصول للحكم، ثم انقلبوا عليها بمنتهى الغباء والانتهازية!

ومع ذلك، كان الزخم الديمقراطى المصاحب لوجود الإخوان على الساحة بقواعدهم الجماهيرية بين أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، وقودا لحراك سياسى واسع شمل كل القوى السياسية سواء الليبرالية أو اليسارية، وكان هذا المناخ الصاخب الذى اتسم ببعض الفوضى وعدم النضج ، يحمل فى أحشائه بشارات حقيقية بقدرتنا على بناء نظام سياسى ديمقراطى قوى وعفى بمرور الوقت ،تشارك فيه قوى جماهيرية تم ابعادها قسرا عن المشاركة فى العمل العام منذ ثورة يوليو.

لا أحد يمتلك وصفة جاهزة لعودة الإخوان، قد يكون إسراع البرلمان فى إصدار قانون العدالة الانتقالية خطوة يمكن توظيفها لحل هذا الملف، بكل تداعياته وعلى رأسها ماحدث فى رابعة، لكن الأمر الأكثر أهمية أن يدرك الإخوان أنفسهم خطاياهم الكارثية سواء خلال فترة وجودهم فى المعارضة أو فى الحكم، وأن يطرحوا لخصومهم قبل أنصارهم خطابا سياسيا واضحا ، يبتعد عن العنف ، أوالبكاء على أطلال رابعة، وقبل ذلك الاعتراف الواضح والصريح بالأخطاء الجسيمة التى ارتكبوها خلال سنوات الثورة حتى الإطاحة الجماهيرية بهم !

صحيح أن الإخوان حاليا فى أضعف حالاتهم التنظيمية والسياسية والجماهيرية ، ويعانون كما تقول مصادر إخوانية عديدة من انشقاقات بين الشباب وقيادات الجماعة التاريخية، كما تتصاعد الخلافات داخل صفوف التنظيم ما بين الاستجابة لدعوات المصالحة مع النظام، أو الاستمرار فى العداء له ومحاولات اغتيال بعض رموزه، لكن الحقائق التى على الأرض وموازين القوى السياسية، تؤكد أنه لن يمكن تحقيق الإصلاح السياسى المطلوب بدون الإخوان ،فحتى الآن يبدو ان تيارهم الرئيسى الذى لم يتورط فى اعمال عنف منذ رابعة ، يمثل القوى الوحيدة القادرة على الحشد الجماهيرى، لمواجهة أى نوايا تنتاب البعض للاستمرار فى الاستئثار بالسلطة.

الإخوان ليسوا شياطين وليسوا بالطبع ملائكة، والنقاش المجتمعى المطلوب حول عودتهم لا ينبغى أن يقع فى هذه الثنائية التى تغلق الطريق أمام أى محاولة جادة للإصلاح الديمقراطى فى مصر!