فواتيرنا وفواتيرهم

“يوجد نوعان من الحكومات، حكومة يجيء بها الشعب فهي تعطي الفرد حقه من الاحترام الإنساني ولو على حساب الدولة، وحكومة تأتي بها الدولة فهي تعطي الدولة حقها من التقديس ولو على حساب الفرد”.

المقولة السابقة للأديب العالمي نجيب محفوظ والواردة على لسان شخصية “أحمد قدري”، الضابط في البوليس السياسي قبيل ثورة يوليو 1952 والذي كان يقوم بتعذيب الطلّاب الشيوعيين ومعارضي السراي الحاكم وقتلهم، هي في الواقع مضمون تفكير الحكومات المختلفة في أي مكان في العالم. الحاكم أو المسئول بشكل عام يفكّر بمنطق “الفاتورة” أي أن هناك فاتورة سياسيّة لابد للحكومة من تسديدها لجهات مختلفة تأتي على رأسها الجهة أو الفئة التي أتت بالنظام الحاكم من الأساس ووضعته في سدّة الحُكم، وهنا تسدد الحكومة فاتورة وجودها أولاً. تأتي بعد ذلك فواتير المساعدات والدعم والإنقاذ في المواقف السياسية الحرجة كالأزمات الاقتصادية أو التورط في أعمال تستوجب عقوبات دولية أو التحالفات المشبوهة وغيرها من السقطات التي تقع فيها الأنظمة الحاكمة عادةً.

في الحقيقة إن مضمون تلك العبارة التي استخدمها “قدري” لتبرير دوره في تسديد فاتورة وجوده لصالح الدولة وتسديد الحكومة التي أتت به لفاتورة وجودها من قِبَل السراية عن طريقه من خلال قمع التظاهرات والحركات المؤيدة لنقض معاهدة 1936، لو تم تطبيقها على الواقع المصري الآن لما انطبقت رغم توافر منطق الحكومة التي أتت بها الدولة والرئيس الذي كان يحظى بشعبية جارفة في يوم ما أهلته أمام مؤيديه ذات اليوم للرئاسة.

فلو تأملنا هنا سنجد أن الحكومة وبعد أن نسفت حقوق المواطن نسفاً، وتركت الشعب ليعيش على ركام خيراته المحترقة لتدفئة حكّامنا وبعد أن أكلت الأخضر واليابس، فإنها تغوّلت حتى على حق الدولة بشكله البدائي البسيط حتى وصل الأمر لتنازل النظام الحاكم عن جزء من حدود الدولة ذاتها. وبهذا نجد أنفسنا أمام نوع من الحكومات التي تنظر إلى الفواتير السياسية من منظور مختلف وهو بعيد كل البعد عن ثنائية (الدولة والشعب). فالحكومة الحالية تسدد فواتير أكثر تفاهة وبساطة وهي فواتير الخيرات المغدقة من الخارج على أشخاص المسئولين وتسيير أمورهم كتلك المنح الخليجية التي بموجبها يتم تطبيق سياسات مرضية لتلك الدول التي تغدق المال والعطايا على المسئولين في هيئة مساعدات بموجبها يتم اختلاق مشاكل تدهس الحريات تحت أقدام الحكومة وتُفتعل قضايا طائفية (من اللي بيحبها جلالته) وتُتلف آثار ويُسجن كتّاب ومفكّرين ويتم التضييق على أصحاب الأفكار التقدمية من أجل تسديد فواتير تافهة بطرق أكثر تفاهة. وكل ذلك على حساب المواطن الذي لا يعرف من الفواتير سوى الكهرباء والماء والغاز، تلك الفواتير التي قصمت ظهره وأطاحت بطموحاته من أجل سد خيبات الحكومة.

كان أولى وأحرى بالنظام الحاكم أن يتم توجيه تلك الفواتير تجاه الشعب الذي أصبح يتظاهر لأجل رضعة الطفل بعد تظاهره من أجل الحرية والكرامة منذ ما يقرب من ست سنوات. كان من الممكن أن يكون الولاء للناس بدلاً من الغرق في تسديد فواتير سياسية لأمور لم تأت بمنفعة على الوطن ولا يتكبّد عناء تسديدها سوى المواطن والوطن.