حرية الإبداع والحرب القذرة

بالأمس القريب، صادرت الدولة حقي وحق غيري في نقد رواية بعنوان “استخدام الحياة” لكاتبها السجين أحمد ناجي. فقد صدرت الرواية وقرأها البعض وكان البعض الآخر في طريقه لقراءتها، ومن ثم انتقادها وتفكيكها وعرض مواطن القوّة والضعف بتكوينها وبنائها السردي من حيث الأسلوب والتقنية ومختلف الجوانب الأدبية واللغوية. ولكن وعلى حين غرة قامت الدولة بمعاقبة الكاتب بالسجن لأنه استخدم ألفاظ خارجة في سياق الرواية مما تسبب في احمرار وجنة أحدهم، والذي بدوره تقدم ببلاغ تحول إلى مأساة ووصمة عار في تاريخ حرية الإبداع في العهد الذي نحياه. وبالتالي لم يكن أمراً أخلاقيّاً أن ننتظر سجن الرجل كي نبدأ في توجيه النقد لروايته التي ألقت به خلف أسوار السجن، بل أنه في حكم التواطؤ مع مصادري حرية الكلمة، ولو كانت قبيحة، وحرية الفكرة، ولو كانت شاذة، وحرية الإبداع ولو كان محدوداً.
وبالفم المليان يجب علينا أن نقول أنه طالما لم يتضمن المكتوب تحريضاً على العنف والكراهية والتمييز فإن معاقبة الكاتب هنا مرفوضة وتقع في إطار محاربة الإبداع أياً كان رأي سعادة القارئ في هذا الإبداع، وبالإضافة إلى الأمر البديهي المذكور يجب علينا إضافة بديهية أخرى وهي أن الكتب الصادرة عن دور النشر والمطروحة في المكتبات ليست إجبارية كالكتب الدراسية كي يُتهم كاتبها بإثارة فلان أو إحراج علّان نتيجة لقراءتها. كما يجب علينا أن ننصح فلان وعلّان باستخدام لغتهما القوية في تفنيد النص وتحذير القارئ من قراءة النص الملغوم بقلة الأدب.
بشكل عام ولضمان وجود الحد الأدنى من الجو الصحي للإبداع والنقد على حد سواء يجب توافر ثلاثة عوامل أساسية وهي: حرية الفكر والإبداع – حريّة إبداء الرأي ــ مبدأ تكافؤ الفرص.
بالنسبة للعامل الأول وهو حرية الفكر والإبداع، ففي الوقت الراهن لدينا كاتب وباحث صادر بحقهما أحكام بالسجن بسبب كتابات وأبحاث مما ينسف فكرة وجود مفهوم الحرية من أساسه في الشأن الأدبي. مع استمرار مقصلة الرقابة في جز الأعمال الفنية وفي بعض الأحيان توجيه بلاغات كيدية ضد مبدعين ينتهي بها الأمر بمثول المبدع أمام المحكمة.
أما في شأن حرية إبداء الرأي، فلا حاجة للدولة للتدخل هنا. أصبحت منصات التواصل الاجتماعي هيئات رقابية أكثر قسوة من الهيئات الرسمية التي تجلب التضامن والإشفاق على المبدع أكثر مما تلحق به من أذى. ففي كل حارة من حارات التواصل الاجتماعي هناك “شلّة” تتفق أحياناً على “التحفيل” على فلانة أو فلان لتتسع دائرة الحفل إلى حد غير قابل للسيطرة وكفيل بإصابة المبدع بإحباط ويأس وهزيمة نفسية لا تعافي منها. وبرغم أن كل من ينوي الدخول في المجال العام مطالب بضبط النفس وتقبل النقد اللاذع، إلا أن الأمر هنا يصل إلى الإهانة والتقليل من شأن وموهبة كل من يريد حتى الإعجاب بعمل ما أو كتاب ما ومن ثم إلقاء صاحب الرأي في أحد القوالب الجاهزة.
أما بشأن مبدأ تكافؤ الفرص فنحن أمام كارثة كونية لا يمكننا لوم أصحاب الآراء الكيدية فيها ولا حتى حاملي الأحقاد الدفينة. فمعايير وصول المبدع إلى هدفه وصلت إلى قاع الانحطاط وانعدام البصيرة. فهناك بالفعل مئات إن لم يكن آلاف من الموهوبين الحقيقيين لا يجد أحدهم من يموّل أفكاره وينتجها ليراها أحد ويولد معها مبدع جديد. لدينا أضعاف مضاعفة من أنصاف وأرباع المواهب الذين وجدوا من يصيغ أفكارهم المنقوشة من هنا وهناك في هيئة أعمال تلقى رواجاً ويُتهم من ينتقدها بالحقد والغيرة ومعاداة النجاح.
المجال العام مغلق من الجانبين، الجانب الرسمي والجانب الإنتاجي. فهنا الغباء والرجعية والتسييس يحكمون وهناك الشللية والحرب القذرة يحكمان. وبسبب كل ذلك فإن كل من يستطيع أن يعبّر عن موهبة حقيقية أو يسعى لتقديم إبداع هو شخص جدير بالتكريم والاحتفاء. وكل عمل فنّي وأدبي حقيقي في تلك الأجواء هو إنجاز لا يقل أن نسبية آينشتاين. لذلك فالأمر لا يحتمل المزيد من السخافات التي تُمارس ضد أي شخص يكتب أي شيء أو يُنتج أي نوع من أنواع الإبداع، فلنترك محاربة الإبداع للدولة وهي كفيلة به ولنجعل تركيزنا واجتهادنا في خلق إبداعات أخرى، أو على الأقل في انتقاد أعمال فنية وأدبية دون اللجوء لروح المرح وارتداء نظّارة الأخلاقيات البالية والشكلية لأن الأمر ليس مضحكاً على الإطلاق.