حروب الجيل الثائر

تضيق الدنيا بما رحبت حول كُل حالمٍ يريد أن يفعل شيئاً للمستقبل. المجال العام مغلق، الحديث في السياسة ملغم وهناك دائماً كلمات وعبارات متفجّرة قد تأتي على قائلها بالهلاك أو التنكيل، الضيق يحيط بصدور العباد والمارّة ينظرون تجاه بعض بازدراء تارة وبحزن تارة بينما يخرج علينا حملة الطبول ودفوف النفاق المميت يومياً في وصلات سب وهجوم عنيف على الشعب بأكمله. إعلاميون وسياسيون ومسئولون في الدولة يخرجون لسب وتأنيب الشعب الذي لم يتحرك ولم ينبس بكلمة لمجرد تأففه من الغلاء والضيق والكذب المتواصل. الشعب يُهاجم والشباب يُلاحق بالتهم والفن يُراقب بعين حماة الأخلاق الحميدة والأرض تُباع وتختصم الحكومة شعبها أمام القضاء لأنه رفض بيعها. الأسوار تحطّم نفسها بنفسها والناس يُحاسبون على التأفف من لعنة الغلاء والإهمال والفساد المستشري وكأنه حلم هزلي ينتاب مريض نزلة معوية أعياه المرض والعلاج على حد سواء، فما العمل؟

قد تبدو العبارات السابقة هي الأكثر سوداوية وقد يُتهم كاتبها بنشر الإحباط، كما قد تبدو العبارات القادمة حالمة أكثر من اللازم ومبطّنة بورديّة غير معقولة ولكن الحق أن ما سبق هو الواقع، وما سيأتي هو المنطق.

فبينما يُحاصر الأفراد لا تُحاصر مواهبهم وبينما يُمنعون من الكلام لا يمكن منعهم من التفكير والإبداع، فالرقيب يحاصر الفعل المجرّد ولا يمكنه خلق أساليب لمنع العقول من التفكير والابتكار وخلق الوسائل المختلفة للمقاومة وتحقيق الأهداف. كانت ثورة يناير في وقتها فكرة مبدعة خارجة عن المألوف وكاسرة لحواجز نفسية غليظة خلقتها السُلطة كالحليّ الزائف للوجه القبيح والعضلات الممتلئة بالهواء للجسد الفارغ هزيل القلب واليد والعقل. وعلى النحو نفسه بدأت السلطات المتعاقبة في تحصين نفسها على المدى الطويل من مثل تلك الفكرة المبدعة الجماعية المفاجئة وهنا كان انتصار جديد للثورة كامن في وضعها على قائمة المخاوف بالإضافة إلى انشغال وانحصار تلك المخاوف في نموذج واحد جماعي مرتبط بحدث وزمن وترتيب معيّن. بينما لم يلتفت أحد إلى أن من صنع ثورة يوماً ما كفكرة نابتة من قلب الإحباط فهو أكثر إبداعاً من أن يكرر الأمر بحذافيره التي اعتادتها السُلطة وتحصّنت ضدها. واليوم هو يوم المواهب، يوم الفرد المُبدع والألوان المتباينة في قلوب وعقول وأرواح الأفراد، يوم أن يرسم الرسّام ويغنّي المطرب ويكتب الكاتب، يوم أن يبدأ من تقابلوا وجهاً لوجه للمرة الأولى منذ ست سنوات تقريباً في إتمام تعارفهم وغربلة أنفسهم ممن سقطوا من ثقوب الغربال في الأعوام الماضية. اليوم تمّت الآراء وأصبحت إيمان ونَمَت المواهب وأصبحت قدرات ونبتت الثقة في النفس وصارت تصالح مع الذات واستحالت الثورة ممارسة يوميّة لا تحتاج إلى حشد وصفوف كي تنتصر، بل لا تحتاج سوى إلى أن يفكّر الجميع ويفعل كُل فرد ما يستطيع فعله لخدمة فكرته. هم يحاربون حرية الإبداع لأنها تخيفهم، حتى أباطرة التنوير أصبحوا يقدّمون قرباناً يومياً لأرباب الوصاية من مبدعي ومفكّري البلاد لأنهم يعلمون جيداً أن فاتورة الحرية لن يدفعها سوى كل من فسد في الوطن. هم يحاربون الجرافيتي لأن الجمال يخيفهم، الرسم على جدران يجذب انتباه المارّة أكثر من ألف خطاب رسميّ. هم يحاربون البحث والتفكير خارج صندوق العادة والتقليد لأنهم متحصنين بأفكار بالية من شأنها الإبقاء على الناس في صندوق خشبيّ أمواتاً وهم على قيد الحياة، الحياة التي لا يحتمل الفاسد واللص رؤيتها فيمن يسرق ويلهو بماله.

الحرب هنا على الأفراد ولن تتمكّن أبداً أي منظومة من قمع الأفراد جميعاً. الحرب على الأفراد وقدراتهم التي ظن من ظنّوا أنها قد تتآكل بالترهيب والتخويف والسجن والمزايدة والاتهام جزافاً. وعلى هؤلاء الأفراد أن يواصلوا التعرّف على قدراتهم ومواهبهم التي لا تستطيع أي رقابة أن تحاصرها مهما امتلكت من قوّة وسلطان. على كُل فرد يستطيع فعل شيء أن يفعله، على كل من يمتلك موهبة أن يستخدمها ويحيا بها، على الجميع التسلّح بالإبداع والفكر والحرية. هذا هو السلاح الذي لا مضادات له والذي سينصفه التاريخ.