تركيا وروسيا وإيران.. تحولات حاسمة

تحالفات تتغير وعلاقات تتعمق وأخرى تتدهور وتحركات دبلوماسية نشطة، هذا هو ملخص ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة، فقد توطدت العلاقات الروسية الإيرانية التركية، وازدادت التفاهمات بين الأطراف الثلاثة، فعدو الأمس أصبح صديق اليوم، وداعم الإرهاب أصبح شريكا استراتيجيا في مكافحة الإرهاب، وعلى الرغم من أن هذا ليس جديدا على الاستراتيجية التركية المتخبطة، إلا أنه مثّل تحولا هاما وجذريا في الأزمة السورية، وربما في علاقات تلك الدول مع الولايات المتحدة، التي تلقت صفعة قوية و”كارتا أحمر” ربما يكون حاسما وأخيرا في هذه المنطقة.

تحالف روسي إيراني تركي

منذ وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في منتصف يوليو الماضي، بدأت العلاقات التركية بالدول الغربية والأوروبية تتجه نحو مزيد من البرود، وكأن محاولة الانقلاب هذه كانت نقطة تحول رئيسية وكبيرة في السياسة الخارجية التركية، حيث جاءت ردة الفعل الغربية منافية لتطلعات السلطات التركية التي اعتبرتها “تخلت عن الشرعية المنتخبة في تركيا”، وهنا اتجهت أنقرة إلى المربع الروسي الإيراني من خلال إعادة الحرارة للعلاقات مع التحالف الروسي الإيراني، خاصة بعد أن خسرت أنقرة كافة رهاناتها في الأزمة السورية وأدركت جيدًا أن علاقاتها المتدهورة بروسيا والمتذبذبة بإيران والعدائية بسوريا لن تجدى نفعًا.

توافق كبير وجديد وتقريبًا الأول من نوعه بهذا الحجم فيما بين الطرفين الإيراني والتركي خاصة في الأزمة السورية، وذلك بعد أن وصل وزير الخارجية الإيراني، الجمعة الماضية، إلى العاصمة التركية أنقرة والتقى نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، لتخرج التصريحات وابتسامات الترحيب لتعبر عن مدى التوافق بين الطرفين.

فيما يتعلق بالشأن السوري، فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن طهران وأنقرة متفقتان بوجوب الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وقال ظريف خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره التركي، إن هناك نقاط اتفاق واختلاف لكن يمكن تقريب وجهات النظر بين الجانبين، وأضاف: متفقون على وحدة الأراضي السورية ومكافحة الإرهاب في الأراضي التركية، وأكد أن كافة الأطراف تريد السلام في سوريا والقضاء على التنظيمات الإرهابية، فيما قال وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو: علينا مكافحة التنظيمات الإرهابية معًا وسنعزز تعاوننا مع إيران، وأوضح أن بلاده ستتعاون مع إيران أكثر في الفترة المقبلة بشأن الأزمة السورية.

عقب انتهاء القمة الإيرانية التركية، وبعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني لتركيا والتوافق حول بعض التفاهمات بشأن الأزمة السورية، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن أنقرة تتوقع حدوث تطورات في غاية الأهمية خلال الأشهر الستة المقبلة فيما يخص الأزمة السورية، الأمر الذي يوحي بأن الملعب السوري بات مقتصرًا على اللاعبين الروس والأتراك والإيرانيين، فيما بات الجانب الأمريكي خارج الملعب والتفاهمات والاتفاقات.

هذه الزيارة جاءت بعد انعقاد القمة الروسية التركية التي وصفها العديد من المراقبين بأنها استثنائية وهامة، ودعت خلالها أنقرة موسكو إلى عمليات مشتركة ضد تنظيم داعش في سوريا، وأعلن خلالها أيضًا المتحدث الرسمي باسم الرئيس التركي إبراهيم قالين، أن روسيا وتركيا قامتا بتشكيل لجنة مشتركة حول سوريا، تضم ممثلي المخابرات والعسكريين والدبلوماسيين من الجانبين.

توافق الأطراف الثلاثة لم يقف عند حد الزيارات التركية ــ الروسية، والتركية ــ الإيرانية، بل من المقرر أن تشهد الأيام القليلة المقبلة عقد لقاء ثلاثي تشارك فيه إيران وروسيا وتركيا لبحث سبل تسوية الأزمة السورية، وفق ما اقترح وزير الخارجية الإيراني قبيل مغادرته تركيا.

ترقب أمريكي وقلق صهيوني

كل هذا النشاط الدبلوماسي ساده الترقب الأمريكي والقلق من تكوين تحالف روسي إيراني تركي تكون له الكلمة العليا في المنطقة مقابل التخلي عن الدور الأمريكي هناك، وفي الوقت نفسه فإن هذا التقارب والقلق قد وصلا إلى الكيان الصهيوني، حيث كشف موقع “دبكا” العبري، أن التقارب بين تركيا وروسيا أثار قلق القيادات الإسرائيلية، خوفًا من تحالف كبير يضم إيران، وأوضح الموقع المقرب من المخابرات الصهيونية، أن قلق النظام الإسرائيلي يعود إلى كون الرئيس التركي أدار ظهره لأمريكا وحلف الناتو، ويسير في طريق التحالف مع روسيا وإيران، وأشار “دبكا” إلى أن أردوغان بعد إنهاء زيارته لروسيا حدّد برنامجًا لزيارة طهران للقاء الرئيس الإيراني، حسن روحاني.

تسوية على حساب جولن

بعد أن انخرطت تركيا في تحالفها مع روسيا وإيران، بدأت الإدارة الأمريكية تبحث عن حل تنقذ به ما تبقى من العلاقات الأمريكية التركية، وتوقف به هذا التقارب الذي يمكن أن يأتي على حساب مصالح واشنطن في المنطقة، حيث كشف وزير الخارجية التركي عن زيارة يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، ووفد من وزارة العدل الأمريكية إلى أنقرة في 23 و24 من الشهر الجاري، وفي الوقت نفسه أعلن رئيس الوزراء التركي أن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، سيزور تركيا في نفس التوقيت تقريبًا.

الأنباء عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى تركيا فسره العديد من المراقبين على أنه محاولة أمريكية لتسوية الأزمة بين الطرفين، حتى ذهب البعض إلى القول بأن هذه التسوية قد تأتي على حساب الداعية الإسلامي التركي فتح الله جولن، الذي يعتبر السبب الرئيسي في الأزمة بين البلدين، فمنذ وقوع محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في منتصف يوليو الماضي، تطالب الأخيرة الجانب الأمريكي بتسليم المعارض التركي المقيم في واشنطن إلى بلاده، لكن الإدارة الأمريكية تماطل منذ أسابيع في تلبية هذا الطلب وتضع العراقيل القانونية أمام تسليمه إلى تركيا، الأمر الذي أثار حفيظة الأخيرة وصعدت من لهجتها في مقابل المماطلة الأمريكية، ووصل الأمر إلى حد تهديد أنقرة لواشنطن بقطع العلاقات الدبلوماسية، وتخييرها بين استمرار العلاقات التركية الأمريكية وتسليم جولن.

هذه الأنباء أكدتها تصريحات صدرت عن وزير الخارجية التركي أثناء لقائه مع نظيره الإيراني، حيث قال أوغلو إن تركيا تلقت إشارات إيجابية من واشنطن بشأن تسليم جولن، خاصة وأن هناك اتفاقية حول تبادل المطلوبين، وأكد هذه التصريحات رئيس الوزراء التركي الذي قال إن العنصر الرئيسي الذي يتوقف عليه تحسين علاقاتنا مع الولايات المتحدة هو تسليم جولن، أو لن يكون ثمة مكان للمفاوضات.