إنسانية الفوتوغرافيا المُعذّبة

 

أصبح استخدام الإعلام لصور الأطفال المقتولين والمصابين والمنكوبين بشكل عام يوازي في فجاجته جرائم القتل والتنكيل نفسها التي تعرّض لها الطفل. بل إن استخدام صور المنكوبين البشعة نفسها أصبح أمر فاقد الهدف وفاقد لأبسط الأخلاقيات وكأن صاحبها قد اتخذ من المجرم مثالاً يحتذي به في عرض قضيته، التي لا يحتاج فيها إلى إحضار طفل من بين الأنقاض متمسكاً بما علق بوجهه من تراب ودماء غير عابئ بما يشعر به الطفل في كل لحظة يحتفظ فيها بتلك الرواسب، ليدخله إلى غرفة ويجلسه على كرسيّ أنيق زارعاً أمامه عدسة الكاميرا، ليتحرك أمامها متقلباً في مأساته لينشرها في ما بعد أمام الجماهير التي ستذرف الدموع أمام هذا المشهد الحزين.

وفي الحقيقة أن أكثر ما يدعو للحزن في هذا المشهد هو أنه يوجد آدمي بيننا يمكنه أن يمنع نفسه من المسح على وجه هذا الطفل مزيلاً عوالق المأساة من فوق ملامحه الجميلة بدلاً من وضعه ككائن خرافي أمام الكاميرات ليتم تصوير كيفية مسحه بكفه على وجهه، وكيف ينظر إلى العدسة بانكسار وحزن؟، أين الفارق بين من أدى بالطفل إلى هذا المصير ومن استخدم هذا المصير في الدعاية سواء لنفسه كمصوّر أو لانحيازه السياسي الذي أكل على مآسي الأطفال وشرب ودهس ذهاباً وإياباً فوق أبسط وأوضح قواعد الإنسانية في عدم الإتجار بالبشر ونكباتهم لنصرة فريق على آخر.

لم نر –على سبيل المثال- أن الإعلام الأميركي كان قد استخدم صور أطفال محترقة أو مهشمة الجمجمة خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية، ورغم ذلك استحوزت تلك الحادثة على تعاطف عالمي غير مسبوق دون اللجوء إلى تلك الوسيلة الرخيصة، التي إن دلّت فهي تدل على أن الجميع في تلك الحرب مجرد أدوات تحت الطلب حتى أكثر الأمور بديهية ومنطقية حينما يخرج طفل من تحت أنقاض الحرب مغلّف الوجه بالغبار والأتربة المختلطة بالدماء، وبدلاً من إتمام عملية الإنقاذ بتنظيف جروحه وتضميدها وتركه للاسترخاء، ولو قليلاً فإننا نحمله إلى غرفة التصوير حملاً لنبدأ عملنا كسفراء للإنسانية المعذبة في الأرض لتسول بعض الدموع من هذا ومن تلك مسقطين عن الإنسانية كمفهوم غايتها وجاعلين منها أداة دعائية تختلط فيها القيمة بالأيدولوجيّة والسلوك بالغاية السياسيّة. وكأنه لم يكن كافياً للطفل أن يرى ويلات الحرب ويعيشها بل ويصاب فيها ويرى الموت بعينه على بُعد أقدام معدودة كي يوضع بعد ذلك هدفاً للعدسات المتاجرة بدلاً من العلاج وإتمام عملية الإنقاذ، يتحدثون عن الإنسانية ويستأنفون التنكيل بها.

في الواقع أنه لا فرق بين من يقتل ومن يتاجر، من ينكّل ومن يتسوّل بالضحايا. لا فارق بين معتدٍ على روح ومعتد على كرامة وكيان إنساني. تلوّثت منطقتنا بسفكة الدماء وتجّاره على حدٍ سواء كما تدّنست نفوسنا إلى الحد الذي فقدنا معه التمييز وأصبحت العيون مبرجمة على قوالب الإنسانية الشكلية المفروضة علينا دونما فرز بين واقع نعلمه ولا نحتاج لإدراكه إلى تأخير تطبيب طفل إلى حين إنهاء جلسة التصوير التي ستجلب المزيد من المشاهدات والتأييد للأيدولوجيّة السياسية، والتي بالتأكيد ستكون مشبوهة وحقيرة بقدر حقارة الفعل المُشين.