التَسريب والهيبة

في العام الماضي حصلت طالبة عُرف عنها التفوّق على درجة “صِفر في المائة” في الامتحانات النهائية لشهادة الثانوية العامّة، وبدأت بعدها الفتاة الهادئة رحلة البحث عن حقها من خلال المسلك القانوني والقنوات الإعلامية، مثل: الصحف والقنوات التلفزيونيّة ومحاولات الوصول للمسؤولين، لعلها تجد بينهم من يتعاطف مع قضيّتها التي لم يجد أحدهم فيها أهميّة تجعله يلتفت إلى مستقبل بنت ومعنوياتها وحالتها النفسيّة.

تعاملت الحكومة مع القضيّة من ذات المُنطلق العجيب المُفسد لكل القضايا والذي يضر الجميع في النهاية، فقد تعالت الحكومة بشكل فَجّ وأخذت الأمر من زاوية “هيبة الدولة”، وكأن الحكومة ستفقد هيبتها إن ردّت لصاحب الحق حقّه وأنصفت المظلوم وحاسبت المتسبب في الظلم، وكأن الحكومة أيضاً تفترض بأن الشعب على قناعة بأن كل شيء يحدث دون نسبة خطأ ودون تجاوز وبلا أي ثغرة قد تُسلب الحق من هذا وتعطيه لذاك، وكأن الأمر في أيادٍ لملائكة منزّلة من السماء تُصحح الورق وتجمع الدرجات وتفرز الأسماء والأرقام السريّة.

بالإضافة للأداء الحكومي المذكور بدأت بعض الأصوات الصحفية وبعض الآراء في الترويج لأفكار تُشكك في البنت ذاتها وفي قواها العقليّة كي ترفع الحرج عن المتسببين في تلك الحادثة العجيبة، مما زاد الأمر استفزازاً حتّى بعد أن تغيّرت حكومة محلب، وأتت حكومة شريف إسماعيل، وتتابعت الأحداث وتراكمت ونسينا جميعاً قضيّة “مريم” صاحبة الصفر الشهير.

مَرّ عام على احتفاظ الحكومة بهيبتها واحتفاظ “مريم” بالصِفر الذي لا يحصل عليه حتّى من يكتفي بكتابة اسمه وسرد الأسئلة في ورقة الإجابة، مَرّ عام كامل تنام فيه الحكومة وتصحو لتجد تلك الهيبة في أدراج وأرفف المكاتب في الهيئات والمؤسسات طالما احتفظت “مريم” وكُل من على شاكلتها بالصِفر الذي حصلوا عليه في امتحاناتهم، ولكن في العام التالي لتلك القصّة حدث الأمر الجلل المتمثّل في تسريب امتحانات الثانوية العامة لمواد اللغة العربية والتربية الدينية وأجزاء من امتحان اللغة الإنجليزية وتسريب أسئلة من امتحان الفيزياء أيضاً في حادثة هي الأولى من نوعها، وقد ترتّب على ذلك إلغاء امتحان التربية الدينية لأول مرّة.

وفي هذا السياق نود أن نسأل عن هيبة الحكومة هنا، هل استطاع الصِفر حماية الهيبة بالفعل؟ وهل مازالت تلك الهيبة بخير رغم أن الامتحانات تم تسريبها من خلال ثغرات أفضت في النهاية إلى استيقاظ الطلبة ليجدوا امتحانهم الذي سيدخلون إليه بعد قليل متداول على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مصحوباً بنماذج الإجابة التي وضعتها وزارة التربية والتعليم؟

والسؤال الأهم، هل استطاع السيد وزير التربية والتعليم حماية وزارته من الاختراق رغم التعنّت الرهيب في إعادة حقوق الطلبة في الدرجات وظروف الامتحان والدراسة السليمة؟

الأمر الواقع هنا يقول أن التعنّت والظلم لا يُمكنه أبداً أن يكون أساس لبناء منظومة تعليمية، وليس هناك أية هيبة أو كرامة لمسؤول حكومي استبدل دوره في تقديم الخدمات للشعب بممارسة سيادة ظالمة على المواطن. ليس هناك ذرّة من الهيبة في أن تحتفظ بمنظومة تعليميّة تجاوزتها الأنظمة والحضارة الإنسانية منذ عقود، بل وتتعنّت في إبقاء الوضع كما هو عليه وأن تعتبر التطوير والمرونة في التعامل مع الشكاوى نوع من أنواع إهدار الهيبة والكرامة، فليس هناك إهانة أكبر من أن يكون المسؤول، غير مسؤول.