أحمد رامي ونسبيّة أينشتاين

في كُل يوم من أيام السنة تعبر ذكرى، ذكرى ميلاد فلان أو وفاته، ذكرى انتصار أو هزيمة، ذكرى حدث ما أو مأساة ما. في كُل يوم يمر على المصريين تاريخ لم يعد حاضراً بل وهناك أيضاً من يحاولون محوه، فمن يمحو نسب الأرض لن يجد صعوبة في محو أحداث مرّت عليها سنوات وأصبحت تاريخاً.

في الخامس من يونيو تمرّ ذكرى نكسة 1967 والتي بدأ منها العد التنازلي لاستعادة الأرض بأرواح وبنادق ودماء الجنود المصريين التي روت الأرض من رفح شمالاً إلى تيران وصنافير جنوباً ومن السويس والإسماعيلية وبورسعيد غرباً إلى طابا شرقاً. ولكن ليست تلك هي الذكرى محل الحديث الآن.

ففي الخامس من يونيو عام 1981 غاب عن ظهر الأرض أحد أبدع وأجمل من كتبوا في الحب والغزل في القرن العشرين، وهذا إن لم يكن أبدعهم وأجملهم على الإطلاق، رحل هذا الرجل الذي لم يعرف الشيب طريقه إلى قلبه حتى حين اقترب من عامه التسعين قبل أن يفارق الحياة وحتى بعد انكساره بموت أحب البشر إلى قلبه قبل وفاته بستّ سنوات فقط، رحل الشاعر الودود المجنون أحمد رامي في هذا اليوم بعد أن قضى مشواراً طويلاً في كتابة الشعر والزجل الذي لم يكن له مثيلاً في عصره والعصور التالية ولكنه للأسف لم يحصل على أي تقدير مناسب لهذا المشوار.

كانت شُهرته كلها نابعة من كتابته للسيّدة أم كلثوم قصائد الحب والغرام التي غنّتها بصوتها ليعيش الرجل حلماً جميلاً على مدار 55 عاماً عرف خلالها كوكب الشرق، حلماً يرى فيه من يكتب عنها ولها تغنّي له ما كتب وبهذا الصوت وتلك الأسطوريّة والخلود، عاش الرجل حلمه أغلب سنوات عمره فحسب نفسه محظوظاً واكتفى بهذا القدر من الحظ في الحياة، فلم يحصل على مال ولا منصب إلى درجة أن نعتته أم كلثوم بالمجنون حينما أصر على رفض الحصول على أجر مقابل ما يكتبه لها من قصائد تغنّيها ويسمعها العالم بأسرِه، أجابها الرجل بأن قيس لم يحصل من ليلى على مقابل لما يكتب عنها ولم يقتنع إلا حين أخبرته أن القضيّة هي أن ليلى لم تكن متعاقدة مع شركة اسطوانات، وأنها لن تدفع له من حسابها الخاص بل من شركة الإنتاج التي تتولى إصدار اسطوانات أغانيها، هنا فقط وافق رامي على الحصول على أجر.

لم يكن رامي مجرد شاعر مبدع، بل تميّز عن باقي أبناء عصره –والذين ربما فاقوه شهرة- بأن صوره وخيالاته الشعريّة لم تكن مشابهة لأحد، ولم تكن مقتبسة من أحد بل ولم تخطر على بال أحد سواه، فمن هذا الذي تسوّل له نفسه أن يعبّر عن شوقه ومدى انتظاره لمجيء الحبيب بعبارة “من كُتر شوقي سَبَقت عُمري.. وشُفت بُكرة والوقت بدري”، فالرجل قرر أن شوقه اجتذبه اجتذاباً للمستقبل إلى درجة أنه قد رأى الغد قبل أن يأتي، ثم يضيف “وإيه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال؟” في صورة أشبه بنسبيّة أينشتاين منها إلى صورة شعرية تقليديّة، فالرجل انبعثت مشاعره بسرعة الضوء كاسرة لتشابكات الزمان والمكان لتصل إلى الغد قبل موعده.

كان رامي مظلوماً، مظلوماً بين الشعراء وبين أسرته التي تعرف مدى عشقه لأم كلثوم إلى درجة أن زوجته وأمه قد قاطعتاه بعد سماعهما لأغنية “جددت حُبّك ليه؟” والتي ظنّتا أنه كتبها تعبيراً عن تجدد الحب بينه وبين أم كلثوم. كان مظلوماً بينه وبين نفسه حتّى أنه حين خاصمته محبوبته كتب لها قائلاً “ياما قلوب هايمة حواليك، تتمنّى تسعد يوم برضالك، وأنا اللي قلبي مِلك إيديك، تنعم وتحرم زي هواك!” وحينها أخذت قصيدته وأسمعتها للأستاذ محمد عبد الوهاب الذي أضاف إليها لمسته لتخرج أغنيّة “انت الحب”، كان مظلوماً إلى درجة أنها حين صالحته ذات مرّة كتب لها مونولوج “رق الحبيب” والذي أعطاه العبقري “محمد القصبجي” بُعداً أسطوريّاً غير مسبوق، كان مظلوماً إلى درجة أن مشواره الإبداعيّ لم يؤرّخ له على النحو الكافي ومظلوم إلى درجة أن هذا المقال المتزامن مع ذكراه لم يذكره بقدر ما ذكر محبوبته أم كلثوم.