غرفة صناعة “القرف”

بدلاً من أن تتسع مساحة التواصل الإنساني وتكبر رقعة المعرفة بجوانب جديدة مما يُسعد الناس ويؤلمها، تحوّلت ساحات التواصل الاجتماعي إلى حلبة مبارزة كبيرة بين المتاجرين بالمشاعر الإنسانيّة والمستثمرين بآلام البشر والباحثين عن الشهرة الافتراضية بالبحث عن “الفرقعة” والاختلاف الأعمى عن أي شيء سائد، فلو سادت روح الحزن بسبب كارثة ما سنجد وقتها من يحاول التميّز بالتشفّي أو بإظهار عدم التعاطف دون حتّى أن يتجاهل الحدث، وذلك بدلاً من أن تتسبب مساحات التواصل والمجال المفتوح في مشاركة الهم العام بأبسط أبجديات الإنسانية.

ما إن انتشر خبر الفاجعة الإنسانية التي حدثت بطائرة مصر للطيران العائدة من مطار “شارل ديجول” إلى مطار القاهرة، وبمجرد التأكد من صحة الخبر الكارثي، حتّى بدأت مشاعر التعاطف البديهيّة والفطريّة في الظهور من خلال تعبير كُل فرد عن الحزن العميق والاستياء والألم من أجل الضحايا، ووصل الأمر بالصادقين إلى تمنّي العثور ولو على فرد واحد من ركّاب الطائرة حيّاً، وإلى جانب كل هذه المشاعر الراقية كان هناك من يمسك بالحدث ويلوي عنقه يميناً ويساراً حتّى يستخلص منه ما يخدم أيدولوجيّته السياسيّة ورؤيته للشأن العام حتّى ولو لم يكن أي بُعد متعلّق بالشأن العام في هذا الحادث الموجع، فكيف إذاً تحوّل كل هؤلاء البشر إلى تجّار للألم والدماء كما تحوّل غيرهم إلى تجّار للفرح وغيرهم إلى منغّصين للحظات الجميلة في أحداث أخرى؟ وكيف أصبح لدينا كُل هذا الكم من أمراض التجاهل واحتقار الذات التي تؤدي بأحدهم إلى التجرّد من كل ما يمِتّ إلى الإنسانية بصِلةٍ كي يحاول التلويح من بعيد والإشارة إلى نفسه ولفت انتباه الآخرين عن طريق استخدامه لمثل هذا الحادث للهجوم على فرد أو فئة يريد أن يثبت وجهة نظره فيهم من خلال هذا الأمر؟.

والأكثر مرارة –رغم كونه متوقعاً- كان بيان جماعة الإخوان المسلمين الذي تجّلت فيه كل تلك الأمور الخارجة عن كافة معاني الإنسانية مجتمعة، بيان مُسيّس للكارثة، تنبعث من بين كلماته تلك الشماتة المستترة التي لا تدع حدثاً أو ظرفاً إلا وتنبعث من خلاله في شماتة عجيبة على أي ضرر يلحق بأي إنسان على وجه الأرض بعد خروجهم من حكم مصر، وكأن بينهم وبين الجنس البشري حالة ثأر تاريخيّة وكأن الكوارث ستظل تحصد رؤوس البشر حتى يعود محمد مرسي إلى حكم مصر.

كل تلك التركيبات والمهازل التي طفت فوق السطح قبل أن تطفو أشلاء ضحايا الطائرة هي بالضبط أسباب عدم قدرة المجتمع على الحصول على أبسط حقوقه في الحياة، سواء الصالح أو الطالح، المؤيد أو المعارض، الفقير أو المقتدر، الجميع بفضل هؤلاء لا يستطيع أن يخطو خطوة للأمام تجاه أبسط حقوق الإنسان في العيش آمن مكرّم حُر مُنتج مساوٍ لغيره في الحقوق والواجبات.

فكُل ذرّة من تلك المشاعر السوداء والسلبيّة تجذب الجميع إلى الخلف، وكل مقصدٍ جيّد انقلب في يوم ما إلى مشاعر سوداء تجاه البشر والحياة، لم يكن صادق من البداية، فالإنسان الذي يدّعي الوطنية لا يتاجر بآلام مواطنيه كي يلصق عار العِمالة بغيره، والذي يدّعي التحرر والإنسانيّة لا يستخدم آلام غيره ويلوي ذراعها كي يثبت وجهة نظره، والذي يدّعي الأحقيّة بشيء لا يمكن أن يصير عدوّاً لكل كائن حيّ في سبيل حقّه المزعوم، فإن لم نكن نستطيع أن نحيا معاً كبشر فعلى الأقل علينا أن نسعى لذلك دون أن نتجرّد من عقولنا وقلوبنا.