إسماعيل الإسكندراني وفخ “الاعتياد”

مائة يوم مرت على اعتقال الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني، حدث لم يشعر به كثير من أصدقاء إسماعيل، ناهيك عمن لا يعرفونه شخصيا، وهو شيء لم يكن كالأيام الأولى للقبض عليه، فبعد أن دارت ماكينة التجديد مرة تلو الأخرى، وبدأ كغيره من الكثيرين يأخذ موقعه بين غيره من المسجونين يتذكره الرفاق المقربون بينما يتوه اسمه بين آلاف أخرى تبحث عمن يتذكرها.

لقد بات إسماعيل رقما ضمن 62 ألف سجين في مصر بحسب “إنفوجراف” موقع روسيا اليوم، من بينهم عشرات الآلاف من المحبوسين أو المعتقلين سياسيا، وانحسرت التدوينات بشأنه مقارنة بالأيام الأولى للقبض عليه، وهو أمر ربما يرجعه كثيرون أن الإسكندراني ليس محسوبا على “شلة” بعينها أو “تيار” بعينه، وهو أمر على صحته لكنه ليس التفسير الأدق بعد نحو مرور مائة عام، ذلك أن ثمة سبباً رئيسيا آخر يرجع إليه هذا التراجع لا يخص الإسكندراني فقط بل يطال كل المعتقلين سواء من يمكن تصنيفه بأنه “مشهور” أو”معروف” للرأي العام أو ذلك المعتقل المجهول الذي لا نعرفه نحن أهل الصحافة بإعتبار أننا نتابع أغلب أو كافة هذه القضايا.

السبب باختصار هو “الاعتياد”، هذه الحالة القاتلة التي تحاصرك وتصيب روحك ونفسك في مقتل حتى لو شعرت بها وحاولت التخلص منها، هذه الحالة التي حاصرت “بروكس” في فيلم “الخلاص من شاوشانك” ودفعته للإنتحار بعدما تغير هذا “الإعتياد” فجأة،  وحاصرت غيره أيضا حينما أخبر “مورجان فريمان”، صديقه بطل الفيلم أنه مع الوقت “سيعتاد تلك الجدران”، أي جدران السجن، وأنها ستصبح جزء من حياته.

نعم هذا ما أصاب كثير منا وغيره اتجاه إسماعيل وغيره، لقد دخلنا السجن الكبير الذي يريدنا النظام الحالي أن نكون أحد قاطنيه، فهو إن لم يكن قادرا على الزج بنا نحن رافضوه ومعارضوه في السجن الحقيقي، فليسجنا داخل سجن الاعتياد، الذي يجعل الوضع القائم أمرا بديهيا لا يحرك فينا شيئا كبيرا، ويجعل أكبر أمانينا هو عدم تعرض المحبوس للقتل أو التعذيب، ومن ثم يصبح خبر التجديد لأي مسجون في الحبس الاحتياطي أو أي مجموعة سجناء يُرفض نقض حكمهم، هو أمر “معتاد” أو أمر لا فكاك أو خلاص ولا يثير حنقنا وغضبنا.

يلجأ هذا النظام لهذا الأسلوب عبر توسيع دائرة الاعتقال والحبس عدديا ونوعيا، فتشعر أن هذا ما يصيب كل الناس، ومن ثم تفقد الحماسة تدريجيا بأن يكون ثمة تغيير في الأفق لأي من دائرتك المحيطة بك بفعل “الاعتياد”.

ومن هنا كانت أهمية الكتابة والتدوين عن كل محبوس بدافع الأمل وبدافع إثبات حضوره في المجال العام، الواعي وغير الواعي، عبر التذكير به بشكل مباشر والتذكير بأعداد المسجونين وأحوالهم بشكل عام، بحيث نكسر حالة “الاعتياد” ونبث الأمل فيمن حولنا، ونقول أننا هنا مازالنا نحاول ونقاتل من أجل ذوينا وأحباءنا وأصدقاءنا لن ننساهم أو نخذلهم، وسنظل نشكل “صداعا” قاسيا للنظام وأنصاره، طالما ظلت قضية المعتقلين والمحبوسين مطروحة.

إن الخطوة التي أقدمت عليها زوجة إسماعيل وأصدقائه بالتذكير به والكتابة عنه بشكل مكثف في ذكرى لافتة لإعتقاله “مائة يوم” هي الخطوة التي نحتاجها جميعنا، فليس بالضرورة أن تكون معروفا حتى تصدق أو يصدق من حولك أن ثمة جدوى للمحاولة معك، فالبطل “آندي” في “الخلاص من “شاوشانك” لم يكن الأقوى جسديا أو الأشهر بين نزلاءه لكنه كان الأكثر تمسكا “بالأمل” فيهم على مدى معاركه الصغيرة طوال الفيلم، مثل معركة بناء مكتبة للنزلاء أو معركته الطويلة في بناء نفق الحرية من زنزاته للخارج بمطرقة صغيرة،لم يخضع “آندي” للاعتياد بل قاومه، وقهره في عمل دؤوب وصامت، وشاق وطويل.

لذا فمن هذا المنطلق أدعو كل زوجة وأخت وأخ وأم وصديق وابن بأن يتحركوا، في كل فرصة سانحة سواء ذكرى اعتقال أو ميلاد أو تخرج أو زواج لطرح قضية معتقلهم ودعوة غيرهم إلى ذلك، سوءا كان هذا المعتقل أو المحبوس معروفا أم لا، فكل صورة وكلمة لها تأثيرها بسلاح الأمل، الذي من شأنه أن يحدث التراكم في الصراخ، ورفع الصوت حتى يسقط الظام الحالي، ويخرج كل هؤلاء لنا من فخ “الإعتقال” وننتصر نحن على فخ “الاعتياد”.a