المستشفيات من شفاء إلى وباء

كتب: صبري أنور- محمد ربيع- بسمة السعيد- شيماء عثمان

أب يتسلم ابنه محروقًا من الحضانة، وطفلة تموت لعدم وجود سرير، و7 يصابون بالعمى للحقن بالخطأ، مشاهد قاسية عاشها المصريون منذ بداية عام 2016 حتى الآن، والمتهم واحد هو الإهمال واللامبالاة في مصر، لذلك اتجهت «البديل» إلى رصد حقائق ما وصلت إليه منظومة الصحة بمصر.

المستشفيات الحكومية بالإسكندرية.. كوارث بالجملة ورقابة منعدمة

بداية وضعت السيدة ولاء عبد الرحيم محمد، مولودها الأول بمستشفى عبد المنعم جابر بمنطقة الهانوفيل غرب الإسكندرية، وتم وضعه بحضانة المستشفى، وكانت المفاجئة الأليمة عندما أصروا على رؤية مولودهم بالحضانة باليوم الثاني، حيث وجدوا حرقًا بظهر الطفل وأجزاء كبيرة من الفخذ وحروق  من الدرجة الأولى، جعلت والد الطفل يحرر محضر رقم 860 إداري الدخيلة ضد المستشفى التي ساومته بمبالغ مالية كبيرة والتكفل بعلاج الطفل مقابل التنازل عن المحضر، وانتهى المطاف بتوسل والد الطفل لوزارة الصحة لتتبنى حالة نجله الخطيرة وتوفير حضانة له؛ نظرًا لقلة الحضانات بمستشفيات الصحة والجامعة بالإسكندرية.

وبالانتقال لمستشفى الشروق للولادة الطامة الكبرى التي أدت لوفاة 4 سيدات مرضى وإصابة 28 آخرين بحروق خطيرة، عقب اندلاع حريق داخل غرفة الأشعة  «دار الأشعة» وانتقاله إلى باقي غرف المستشفى، مما جعل النيابة العامة تأمر بغلق المستشفى.

ورغم تبادل الاتهامات بين دار الأشعة ومستشفى الشروق، إلَّا أن الأول أنشئ بمستشفى الشروق بدون تراخيص، مما يدل على الفساد لدى الأجهزة المعنية بوزارة الصحة المخصصة بالتفتيش الإداري والفني على المستشفيات، كما كشفت الأزمة عن عدم وجود طفايات حريق ومخرج للطوارئ بالمستشفى، لدرجة أن المرضى كسروا زجاج المستشفى الفاصل بيها وبين “الفيلا” المجاورة لإلقاء أنفسهم على سطح الفيلا المجاورة، وتسبب الحريق في وفاة ثلاث سيدات من أسرة واحدة، حيث لم يجدوا مفرًّا من ألسنة اللهب والأدخنة المتصاعدة، سوى الاختباء فى دورة المياه التي لم تحميهم من الحريق.

وبمستشفى كرموز للعمال، التابعة لهيئة التأمين الصحي، طرد الأطباء رجلًا مسنًّا تعدى الستين عامًا من المستشفى، وتركوه أمام الباب ليلًا حتى توفى بعدها مباشرة، مما جعل بعض المارة بالشارع المقابل للمستشفى يستاءون، ووضعوا المتوفى على كرسى وقامو بربط رأسه وفكيه، والاتصال بعضو مجلس الشعب عن دائرة كرموز النائب محمد الكوراني،  الذي حرر محضرًا بقسم شرطة كرموز ضد المستشفى ومديرها، واتهمهم بالإهمال في علاج المرضى.

وبالانتقال لمستشفى الأميرى الجامعي، والمعروفة لدى السكندريين بأنها مقبرة الأحياء، وردت شكوى لـ«البديل» من ابنة المريض عبد العزيز محمد عبد الرحمن، وقالت: إن والدي المسن البالغ من العمر73 عامًا حدثت له حالة أغماء ثم اكتشفنا أنها جلطة، وأخذته إلى مستشفى الميري الساعة الخامسة مساءً، لكن تم منعنا من الدخول بحجة أن المستشفى لا يستقبل الحالات الحرجة إلَّا يومين فقط أسبوعيًّا، وتم نقله إلى مستشفى أخرى بعد قضاء 5 ساعات من التوسل.

وقال الدكتور مجدي حجازي، وكيل وزارة الصحة لـ«البديل»: إنه تم إغلاق مستشفى عبد المنعم جابر، التي حرق بها طفل حديث الولادة بأجزاء متفرقة من جسده بالحضانة، بينما أكد أنه طلب من الدكتور أيمن حليم، مدير منطقة غرب الطبية، بالتحقيق بواقعة طرد مريض بمستشفى كرموز العمالي ووفاته على أبواب المستشفى، رغم أن المستشفى تابع للتأمين الصحي ولا تتبع مديرية الصحة، وبالنسبة لواقعة مستشفى الأميري فهى لا تتبعه أنما تتبع  وزارة التعليم العالي؛ لأنه مستشفى تعليمي جامعي.

من جانبه قال الدكتور هشام عبد الحميد، المتحدث باسم وزارة الصحة بالإسكندرية، فيما يتعلق بتدني مستوى النظافة داخل دورات المياه: إن المستشفيات الحكومية في مصر تعاني من قلة أعداد العمال، فرغم من أهمية دورهم إلَّا أن قلة قليلة تقبل بممارسة المهنة؛ ولأن الحكومة تضع عامل النظافة في أقل الدرجات، من حيث الرواتب، مما يجعل العاملات يملن للعمل في المنازل عن المستشفيات.

وأكد عبد الحميد أن الميزانية المخصصة من وزارة الصحة لا تفي بمتطلبات المستشفيات، وحالها في ذلك حال مرافق الدولة كافة، رغم أن مديرية الصحة بالإسكندرية تشرف على 15 مستشفى، بينما التأمين الصحي يضم 4 مستشفيات فقط، ومثلها للمؤسسة العلاجية، فيما تضم أمانة المراكز الطبية المتخصصة مشفيين، بخلاف تلك التابعة للجامعة.

وكيل «الصحة»: الدقهلية ليس بها مصابون بالإيدز.. ولا وحدة لعلاج المرض

تستهل «البديل» ملف الصحة في محافظة الدقهلية بمستشفى بني عبيد المركزي وقيمته 150 مليون جنيه إنشاءات فقط، إضافة إلى 30 مليون جنيه أجهزة ومعدات لم تستعمل حتى الآن، ورغم ذلك هناك عيوب إنشائية ومخالفات جسيمه بالجملة بالمستشفى، بالإضافة إلى أن المستشفى على أرض مساحتها 3 آلاف و800متر، تقدر بمليار جنيه، لكن للأسف هذه الأموال ذهبت سُدى، واتضح أن المبنى آيل للسقوط وغير مطابق للمواصفات، كما أن الأدوار العليا بالمستشفى غارقة في برك الصرف الصحي، المساهمة في انتشار الفيروسات والأوبئة بشكل كبير.

ويطالب أهالى «صهرجت الكبرى والصغرى»، بسرعة تشغيل مستشفى صهرجت الصغرى المغلقة منذ عامين، ورغم أن الأهالي جمعوا تبرعات لشراء سيارة الإسعاف إلَّا أنه لم تستلم المحافظة إياها وجلب مسعفين.

وبالانتقال إلى مستشفى أخطاب مركز أجا محافظة الدقهلية الذي يخدم 7 قرى، قال الدكتور جمال زايد، مدير مركز طب الاسرة: إنه تحول من مستشفى تكاملي إلى مركز طب للأسرة، ولا يوجد به أطباء ولا تخصصات ولا أي من أجهزة الإسعافات الأولية، وتقطع مسافة 40 كيلو مترًا للوصول الى أقرب مستشفى لإسعاف المرضى.

 ووصل الإهمال الشديد إلى مستشفى الصدر في المنصورة، بعد اكتشاف  أجهزة طبية ووحدة تعقيم كاملة لم تستخدم نهائيًّا منذ 12 سنة، قيمتها 5 ملايين جنيه، فيما تفتقر المستشفى لأجهزة التعقيم، والاعتماد فقط على غسالة يدوية تعمل منذ عام 1965، مع أن المستشفى يتردد عليه أكثر من 6 آلاف مريض شهريًّا، وبه نحو 200 سرير في الأقسام الداخلية.

وربما فتحت حالة الطفلة جنى سامح، المتوفاة بعمر 3 شهور، ملفًّا خطيرًا جدًّا وهو تعطل أجهزة الأشعة والتحاليل الطبيبة بمستشفيات الجامعة ووزارة الصحة، لصالح مراكز الأشعة الكبرى والتحاليل الطبية والمنتشرة بكثافة حول مستشفيات كلية طب جامعة المنصورة، فعندما ذهبت جنى إلى مستشفى دكرنس العام منذ عدة أيام، وأوصى الأطباء بإجراء تحليل غازات بمستشفى الأطفال الجامعي، وبعد يومين من تحويلها هناك تبين أن جهاز تحليل الغازات معطل، ومع البحث اتضح أن الظاهرة منتشرة بمستشفيات الصحة والجامعة لصالح مافيا الثراء السريع.

وبعد تدهور حالة الطفلة الصحية، أوصى الأطباء بدخولها إلى عناية مركزة للأطفال، لكن للأسف لا يوجد مكان خال؛ لأن محافظة الدقهلية أكبر محافظات مصر عددًا للسكان بها 12 سريرًا فقط للأطفال، حتى انتقلت جنى إلى رحمة الله هي وأطفال كثيرون لم يجدوا لهم مكانًا في عناية الأطفال.

ويقول الدكتور سعد مكي، وكيل وزارة الصحة بالدقهلية:  إن  كل المستشفيات الخاصة بوزارة الصحة بها أجهزة تعقيم مركزية، تستوعب قدرًا أكبر من الوحدات  المحلية التي تعمل بجهاز «الأوتوكلاف»، والدورة الواحدة  للتعقيم تكفي لتقيم كل أدوات وأجهزة المستشفى بالكامل، ولا يوجد انتقال فيروسات عبر الأدوات الطبية المعقمة كما يشاع، ونسبة الإصابة للعدوة قلت بشكل كبير وأصبحت موافقة للنسب العالمية  وهي أقل من 5%.

وبالنسبة لنقل فيروس الإيدز أو فيروس سي عبر أجهزة الغسيل الكلوي، نفى  مكي تمامًا، وقال: ماكينات الغسيل تقوم بتعقم نفسها تلقائيًّا، فبعد كل مريض يتم تشغيل دورة تعقيم من ثلث  إلى نصف ساعة، دون تدخل أي عنصر بشري، ولا يمكن أن يدخل مريض بعد مريض مباشرة لدورة تعقيم الماكينة، والفشل الكلوي مرض مزمن، ومرضاه يعرفون حقوقهم جيدًا.

وقال مكي: لا توجد حالة إيدز واحدة لمرضى الفشل الكلوي، وإذا تواجدت يتم تحويلها إلى مستشفى المحلة الكبرى؛ لأنه لا توجد وحدة لعلاج الإيدز في الدقهلية.

وأضاف: تعقيم الأطباء والعمال والممرضين  والفنيين  شيء أساسي قبل دخولهم غرف العمليات؛ لأنهم حاصلون على دورة لفريق مكافحة العدوى بالمستشفى، ويتم التخلص من النفايات بتجميعها من جميع الأقسام بأكياس حمراء، وتذهب إلى المحارق في كل قطاع صحي، وتوجد 9 محارق بالمستشفيات، لكن الاهالي يرفضون المحارق بالمستشفيات وتم غلق محرقتين.

وبالنسبة للمراكز الطبية المتخصصة، التي تقترف العديد من الأخطاء الجسيمة خلال عمليات جراحية، قال مكي: كل التعليمات المحدثة من وزارة الصحة للوقاية وإدارة العلاج الحر التي تشرف على المستشفيات الخاصة، والمرور عليها والتأكد من تنفيذ البيانات، وأي شكوى ترد إلينا يتم انتقال مدير إدارة مكافحة الأمراض المعدية، ونرى مصداقية الشكوى من عدمه.

وعن عدد الحضانات وأَسرَّة العناية المركزة الخاصة بالأطفال، قال مكي  توجد 12 حضانة على مستوى الدقهلية وحضانتين بمستشفى ميت غمر وحضانتين بمستشفى السمنلاوين وحضانتين فى مستشفى أجا، والعدد غير كاف ونحن محتاجين إلى قوة بشرية من أطباء وممرضين، وكل البيانات و4 بالمستشفى الدولي، وبالطبع لا تفي باحتياجات الدقهلية.

المستشفيات العامة بالغربية: العلاج بفلوس والعدوى بالمجان

وكشف هاني طلعت، فني إشاعة بمستشفى حميات المحلة، احتجاز المستشفى لشاب لإصابته بمرض “HIV” والمسمى بـ”الإيدز” نتيجة الإهمال وعدم التطهير والتعقيم والنظافة أثناء إجرائه عملية جراحية بإحدى العيادات الخاصة.

الدكتور السيد قاعود، مدير الإدارة الصحية ثان المحلة، قال: يجب متابعة مستوى السلامة سواء للمبنى أو المعدات أو المتعلقات المستخدمة بشكل دوري، وكذلك إجراءات الأمن كحماية كاملة للمباني والعاملين والمرضى والزوار.

ويرى الدكتور أحمد زيد، استشاري الجراحة العامة: إن الإهمال الطبي منتشر بالمستشفيات العامة والخاصة؛ بسبب نقص الإمكانات من أجهزة طبية وأدوات جراحية وأدوية، وكذلك نقص التمريض والخدمات المعاونة، وانعدام الصيانة الدورية للأجهزة الطبية والمباني.

من جانبه نفى الدكتور على الشاهد، مدير عام الطب الوقائي بمحافظة الغربية، تفشي الأمراض الوبائية بمدن وقرى المحافظة، مطالبًا الإعلام بتحري الدقة وعدم إثارة البلبلة، موضحًا أنه تم نقل مريض الإيدز المحتجز بمستشفى حميات المحلة ويدعى “ى.ع.ا” من قرية الحوامدية الجديدة التابعة لمركز المحلة، ويبلغ من العمر 32 سنة، وتم عزله بمستشفى حميات المحلة ونقل بسيارة إسعاف مجهزة  للمعامل المركزية بوزارة الصحة لإجراء تحليل “الأليزا” لبيان مدى إصابته بالفيرس من عدمه.

وأشار الدكتور عبد الحكيم عبد الخالق خليل، رئيس جامعة طنطا،  إلى أن مستشفيات الجامعة شهدت حالة من الغضب بين العاملين والأطباء وهيئة التمريض، بعد  أن قامت لجنة تم تشكيلها بالتفتيش المفاجئ على المستشفيات والأقسام، وتمت إحالة بعض المدرسين والنواب وهيئة التمريض إلى التحقيق؛ بسبب الفوضى العارمة بالمستشفى وغيابهم عن العمل.