إبليس مؤمن بالله!

انتويت أن أبدأ مقالي بذكر أني لست في مقام النقد أو المراجعة للإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب، احتراما للمقامات وتقديرا للقامات، لكنني تراجعت، وحدثتني نفسي بأنه لا يوجد من هو فوق النقد والمراجعة، وأن من أتحدث عنه بمقامه العالي إذا ضجر من مراجعة أحدنا له، فهو ليس جديرا بمقام العلم والعلماء ..

لم أر لشيخنا الجليل قلب كبير إلا حين يأتي ذكر الدواعش، ربما يظن شيخنا أنه حين يظهر هذا القلب الرؤوف ستكون هناك فرصة لاستمالتهم أو استمالة أحدهم، وربما يعتقد الشيخ أنه حين يراه أحد الدواعش وهو يرفض تكفيرهم، معتبرا إياهم من الأمة، سوف يبكي ندما ويعود متحسرا لينحني أمام الشيخ الكبير، ويقبل يده منبهرا بسماحة الإسلام العظيم .. ربما، وربما أشياء أخرى وراء الكواليس لا نعرفها، ولا نريد أن نعرفها من باب “لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم” ..

لكننا اليوم نُذكر شيخنا الجليل بأن قلبه الكبير الذي يتسع للدواعش، ولا يطيق تكفيرهم هو نفسه لم يتسع لكثيرين، فالشيخ الجليل لم يتألم قلبه على كثير من شباب مصر المغيب في غيابات السجون بتهمة “الإرهاب”، بل ولا يترك مناسبة حتى يبدي تضامنه الكامل مع الدولة في محاربة أمثال هؤلاء، ولعمري أيا ما كان قد قام به هؤلاء الشباب لن يغدو قطرة في بحر الدماء التي يسيلها الدواعش مع كل شروق وغروب .. صحيح أن شيخنا لم يكفرهم، وسيقول لي أحدهم أن الشيخ يتحدث عن حكم “الكفر” و “الخروج من الملة” وهو شأن آخر .. وهذا صحيح .

لكن شيخنا يقول أنه لا يستطيع تكفير “من يؤمن بالله”، فهل لم يصل لعلم مولانا أن معظم من على هذه الأرض “يؤمنون بالله”، وكل منهم يعبد “الله” الذي يعرفه ويتصوره، فهل يا ترى لن يعتبر مولانا الهندوس كفارا لو شرحنا له حقيقة أنهم “يؤمنون بالله”؟، وهل يا ترى لو خرج على شيخنا متفلسف يقول أنه مؤمن بالله، لكنه لا يؤمن بالقرآن أو لا يعتقد بالحج للكعبة أو حتى له رأيا مختلف في الصحابة، وغير ذلك من أمور تناولها مفكرون وفلاسفة؛ سيعجز الشيخ عن تكفيره؟

الحق أقول لكم سيكون تكفيره أسرع مما تتخيلون، قبل ان تقوموا من مقامكم، بل ربما قبل أن يرتد إليكم طرفكم، وسوف يتم تطليق زوجته منه وحرمانه من ميراثه وسجنه ولعنه، فمنكر “المعلوم من الدين بالضرورة” كافر اما هادم الدين فهو “مؤمن بالله”.

“المعلوم من الدين بالضرورة” هذا المصطلح الذي أصبح راية الفريسيين والكهنة في زماننا، فالمعلوم من الدين بالضرورة هو ما سطره العلماء في كتبهم أو أقره سلاطينهم، والخروج عليه ليس فيه صبرا أو هوادة ولا حلما ولا قلبا كبيرا ..

أما من يهدم الدين من اصوله ويدمر بنيانه فتلك نقرة أخرى، نهاجمه أو نقوّمه أو نحاربه، لكن لا داعي لتكفيره؛ لأنه يظل من الأمة، وهو من يتسبب في كفر العشرات، بل المئات من الشباب كل يوم، وهو الذي شهر سيفه على القرآن، وعلى الإسلام، لا أعداءه، يريد تدميره وتشويهه والحط من شأنه واقتلاعه من جذوره بمال أعداء الأمة ومنافقيها، لكن رغم ذلك يتسع له القلب الكبير!

أفمن يجتهد فيصيب أو يخطئ أسوأ ممن يشهر السيف في وجه القرآن يا شيخنا؟! أفمن رفع المصاحف فوق أسنة الرماح، متاجرا بها، سافكا بها دماء المسلمين، يستحيي نسائهم، ويقتل أبنائهم، كحال فرعون مع المستضعفين، هو من الأمة ويؤمن بالله يا شيخنا!، أما من كتب كتابا أو أبدى رأيا في ما سطره كهنوت النصوص ليس من الأمة ولا يؤمن بالله!

تذكرت أحد “كهان النصوص” حين قال لي عن أحد الأدباء أن إبليس أفضل منه، وحين تعجبت وجدته يستخدم نفس المنطق يا شيخنا، قال لي إن إبليس مؤمن بالله!
هذا المنطق الذي تحدث به الشيخ جعلني أفهم كيف ترعرعت في وادينا كل هذه الأفكار المتطرفة والمذاهب الهدامة، فعلى مدار التاريخ كان الشيخ دائما ما يقول “الكل مؤمنون” حتى بات القاتل كالمقتول، والمخطئ مجتهد ضال أصلح الله شأنه، ولا داعي من ذكره بسوء فهو من الأم، وبعد عقود سنجد من يخبرنا أن الدواعش كانوا فتنة،وتلك أمة قد خلت، وكلهم في الجنة!