الحسن ناصر: حقيقة التوبة

كثيرا ما سمعتها وأنا في الجامع في منتصف خطبة الجمعة عندما يقول الخطيب “التائب من الذنب كمن لا ذنب له” ثم يعطينا برهة قصيرة للاستغفار والتذكر قبل أن يكمل باقي الخطبة. جذبتنب تلك العبارة كغيرها من العبارات الكثيرة التي تتحدث في نفس السياق سواءا من آيات الذكر الحكيم أو من قول الرسول الكريم. إن هذه العبارة ومثلها تشبه بين التائب من الذنب بمن لم يذنب أصلا. ويجب أن نتوقف هنا عند هذا التشبيه ونفكر قليلا. فكيف لله وهو العادل المطلق والذي حرم الظلم على نفسه أن يساوي بين المذنب ومن لم يذنب ببعض العبارات التي يتمتم بها قمه فيغفر له. وحتى وإن قلنا أن رحمة الله عز وجل واسعة لتشمل كل صغيرة وكبيرة، فإن آلية الرحمة الإلهية هي أيضا لا ينبغي لها أن تعمل خارج الإطار العام للعدل الإلهي. فالعدل هو أسمى القيم وأعظمها وهو الغاية المنشودة من كل وجود مادي ولا مادي فكيف بالله سبحانه وتعالى وهو واجد كل وجود.

هكذا جالت بي الأفكار حينما حاولت ان أفهم العبارات التي تتحدث عن التوبة والغفران والمعصية والذنوب والقبول في رحمة الله والنجاة من غضبه وعذابه. ويرجع السبب في ضرورة تفهم آلية الغفران والتوبة إلى تاريخ الإنسان مع تلك القاعدة من ناحية وإلى واقع الإنسان ومستقبله من ناحية أخرى. ففي القديم والحاضر استغل هذا الباب اسوأ استغلال بصورة لم تمكن المستضعفين من طلب حقوقهم واسترجاعها بل وضمنت للمستكبرين تنكنهم وتسلطهم أكثر على رقاب البؤساء الذين لاقوا الشقاء والتعاسة لتضمن الطبقات الأرستقراطية المتسلطة رغض عيشها ورفاهيتها. والشواهد في التاريخ كثيرة فلا ننسى صكوك الغفران في تاريخ المسيحية في العصور المظلمة، ومظاهر الأرستقراطية والبذخ والرفاهية في قصور وصروح الإمبراطوريات الأموية والعباسية بينما كان عموم المسيحيين والمسلمين في تلك الفترة يعانون من الفقر والجوع وفساد أمور البلاد والعباد. وبينما كان المفترض بالدين أن يكون المحرر للغنسان من كل قيد وعبودية لكل من هم دون الله الواحد الأحد كما قيل قديما “لقد خلقك الله حرا فلا تكن عبدا لأحد” لعب رجال الدين أو مانسميهم بفقهاء السلاطين دورا معيبا مهينا ومهونا للدين عند العوام بتبريرهم المتكرر لتصرفات المستكبرين الظالمة والتي ترفضها كل فضيلة وشريعة. وفي النهاية كان المخرج من كل أزمة هو باب المغفرة، هذا الباب العظيم المهيب الجميل الذي يرمز لعطف الإله على عباده المذنبين المخطئين دون أي ظلم أو تضييع لحقوق الناس.

أدى الاستغلال السيء لهذا الباب لنفور عام من الدين على المستووين الشرقي والغربي. الأمر الذي وصل ببعض المفكرين أن يحاربوا السلطة الدينية وبشدة بغية إقصائها ونفيها عن واقع الشعب والسلطة. فقال ماركس عبارته الشهيرة “الدين أفيون الشعوب”. وبصراحة لا نستطيع أن نلومهم في أغلب مواقفهم ففساد السلطات الدينية جعل الدين في أعين الناس المهرب لكل طاغوت ومستبد بدلا من ان يكون ملاذا امنا للمستضعفين والمقهورين. وأبحاث التاريخ في هذا الشأن عظيمة وكثيرة وهي خارج إطارنا المباشر ولكن جدر الإشارة إليها كتقديم لما نريد معالجته.

فالتعميم المقرون بالثنائية هو أسهل الطرق للخروج من أي مأزق يجد فيه الإنسان نفسه مضطرا للتدقيق والتمحيص للوصول للواقع. فالحقيقة في ذاتها عذبة حلوة ولكن أعداء الحقيقة أبا إلا أن تكون أبوابها مرة علقمية لينفروا الناس عنه ليضيعوا في تيه الباطل العظيم دون الوصول لحق ولا لنتيجة. فالإنسان يجد الكثير من اللغط والخبط والقول في أمر الدين والسلطة الأمر الذي يدفعه للتساؤل عن سبب المشكلة. وحالما يجد المشكلة في رجال الدين فهم من ينومون الناس تنوما مغنطيسيا عن مظالم المستكبرين ينطلق نحو تعميم بأن إذا كل رجال الدين فاسدين. إذا الدين فاسد ويضر بمصلحة الشعوب دون أن يحاول أن يحلل ولا أن يدقق فيلفظ الدين كل الدين وينطلق في ثنائية وتعميم نحو اللا دين. دون أن يدرك أنه خرج من فخ فقهاء السلاطين ليقع في فخ سلاطين الباطل. فالخروج ولفظ أورشليم الدين بما يحمله من قيم وحدود وتنظيم لحياة الإنسان يعني في بدء الأمر عودة الإنسان للهمجية مرة أخرى ليحاول هذه المره وحيدا شريدا في تيه الغفلة أن يبني بابليون التي تحميه من برية الصحراء عن طريق التجربة والخطأ. وهو تيه يدقع ثمنه مرة أخرى الضعفاء والعوام بينما يجني ثمره المنفعين والمستكبرين. فالمستكبر والطاغوتي كان المنتقع الرئيسي في كلتا الحالتين. فهو من كان يستأجر فقهاء السلاطين ليساعدوه في مص دماء الناس وهو من يقود الناس في التيه نحو أغراضه الخبيثة وأطماعه الفاسدة. فيخرج الثور من لجام الساقية ليدخل في سرج المحراث. وإذا أفاق واستفاق وأراد الخروج من سرج المحراث وجد أمامه لجام الساقية القديم معد وجاهز وهكذا…!

يتوقف الإنسان مع الوقت عن الإيمان بما يحقق له المنفعة. هذه قاعدة حقيقية ومجربة. ولكنها تعتمد على تشخيص الإنسان للمنفعة الحقيقية. فلو كان تشخيصه لها في المادة والسعادة في الدنيا فمهما بلغت ثورته ولحتمدت ستسطيع أن تخمدها وتلغي أثرها ببعض الريالات من هنا أو الدولارات من هناك. أما لو شخصت السعادة بطريقة مختلفة فستجد نتيجة مختلفة, وهذا قاعدة اخرى منطقية فتكرار المقدمات سيؤدي لتكرار نفس النتائج طالما أن الصورة والمادة صحيحتان.

علينا هنا أن ندرك إذا ما هي التوبة؟ ما هي حقيقتها التي لا تمنع رحمة الله ولا تسمح لتسلط الطغاة على رقاب الناس. وفي سعينا نحو الإجابة على هذا السؤال نجد في السياق أننا نجيب على الشق الآخر من تأثير التوبة على حياة الإنسان أي حاضره ومستقبله. إن السبيل لمعرفة مغفرة الله والتوبة إليه هو في التساؤل عن سبب التوبه ألا وهو الذنوب. والذنوب تحددها الشرائع والمناهج الدينية والتي شرعت من قبل الله سبحانه وتعالى على الناس كرحم منه على الناس لكيلا يضيعوا في التيه بحثا عن النظام الأمثل لتسيير شؤونهم. وهذه ليست محاولة لإعادة الناس في لجام فقهاء السلاطين أبدا. فلقد كان فساد الدول التي بنيت على أيديولوجيات دينية ليس في ذات الأيديولوجيات في كل الحالات ولكن العامل المشترك كان فساد المطبق والمنفذ لتلك الشرائع. لو أرادنا أن نغفل هذا الباب من البحث فالاولى لنا ألا نكمله. ولكن إن كنا نبحث عن العدل فالأجدر أن نبحث عنه في أنفسنا أولا. فالمحاولات السابقة لتطبيق الأيدولوجيات الدينية لم تكن فشلت لقصور وتقصير في التطبيق وعدم الإلتزام بشروط التنفيذ السليمة، إلا فيما ندر.

أول تلك الشروط والتي أريد أن أختم بها الحديث هو أشراط قبول التوبة. فلا تقبل التوبة على أساس الرتب والشأن الإجتماعي. بل ولا تختلف قباحة الافعال باختلاف مرتكبيها. فالذنب عمل مكروه سواء فعله الأمير أم الغفير. فنتعجب من فقهاء السلاطين الذين إن أجرم الأمير تركوه وغن أجرم الغفير أقاموا عليه الحد. أليست هذه من المفاسد ومهالك الأمم التي سبقت. وهل يعول في ذلك على الدين أم توشحوا بوشاح الدين ولبسوا جبته وعمامته ظلما وطلبا للفساد واكتناز الذهب والفضة. ثانيا إن الذنوب لها شأنان شأن مع النفس وشأن مع الناس. أما ما ههو مع النفس فعلاجة التوبة والاستغفار والكفارات الموصوفة وجهاد النفس. أما ما هو مع الناس فلا توبة ولا مغفرة فيه إلا بعد أداء القصاص فيها لأهله. ولكم في القصاص حيلة يا أولي الالباب. أما أن يعتقد واهم أو حالم أن التوبة تتحق دون إرجاع الحقوق لأهلها فهو بذلك ينسب لله ما حرمه على نفسه جل وعلا فهو يتهم الله بالظلم. فلا يكفي مثل هذا أنه بوق ناعق بالمبررات لأهل المفاسد والبغي والطغيان ولكنه يغرق نفسه أكثر في النفاق والرياء والتملق عندما يدعي أن الله سيغفر لسيده الظالم المعتدي بحجة لبيت الله الحرام دفع ثمنها من المال المغصوب من الفقراء أو تبرع سخي لبعض الجمعيات أو بناء مسجد من مال سحت مغتصب.