الحسن ناصر: التفكير في الهجرة (1)

“ذاكر علشان تهاجر”، “دورلك على منحة علشان ترتاح”، “ماتشوفلك بعثة تطلع برة البلد دي وبكدا تبقى أرحت واسترحت”، “والله إنت خسارة في البلد دي، إنت لو تسافر برا تاخد حقك بجد”.
طبعا اللي بيقولك كدا بيبقى شايف اللي بيحصل واللي حصل واليي حيحصل وعايز ينصحك لوجه الله علشان يساعدك. وفي كل الأحوال هو أحسن من نماذج تانية دخيلة علينا في مجتمعنا وتفكيرنا بتفرض تصورها للواقع بالعافية وبإسلوب منفر. فالكلمات اللي قلناها دي أحسن ماتسمع كلمة تانية زي: “مش عاجبك سيبها وسافر”. واللي بيقول الكلمة دي عارف نفسه كويس وعارف هو بيقولها ليه وقاصد بيها إيه.

أما عن الفكرة اللي احنا عايزين نتناقش فيها هي فكرة بسيطة ممكن نحللها سوا من أكثر من جهة. دلوقتي لو أنا في مكان معين وقاعد فيه وعمال أطفشك وأعملك زنب وأطهقك وأضايقك. وكل ماتشتكي أقولك مش عاجبك امشي وأحاول أزهدك في المكان وإمكانياته وقدراته. أغررك في نفسك وأقولك إنت ماتخلقتش علشان بلدك إنت المفروض تروح مكان تاني أحلى. سافر برا أحسنلك، أمريكا أوروبا، كندا،… إلخ شوف الدنيا واستمتع. فأحاول بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى إني اخليك إنت ذاتيا تستسلم. والزن على الودان أمر من السحر. السؤال والجواب في نفس الوقت على الكلام ده هو جملة واحدة ممكن تسكتني بيها. “طيب لما هي البلد وحشة كدا طب ماتمشي إنت يا أخي”. يعني مش فاهم بجد!!! واحد بيطفشك وهو متشبث بالمكان جدا وبيحاربك عليه بعنف شديد أكنه آخر زاده. أكيد يبقى هو فاهم إن المكان ده حلو ولا هو غبي وبيحارب ويخطط ويرتب علشان يمسك في حاجة وحشة. فكر مع نفسك حتتصدم. وممكن تبتدي تغير طريقة تفكيرك في الهجرة تماما.

دي أول طريقة ممكن تفكر بيها في الموضوع. طيب طريقة تانية. دلوقتي في هنا فكرة… أنا عمال أطفشك وأفسد في المكان وأحاربك وأطردك أكيد كدا أنا إنسان فاسد. مدمر لمقدرات البلد ومبدد لإمكانياتها ومحارب لكوادرها. وإنت إنسان مظلوم متعرض للقهر بس نفسك الضغط بتاع الظلم والإستقصاد والشكاوي الكيدية يوقف شوية علشان تفضى إنك تخدم المكان وتساعد فيه. خلي بالك إنك كدا لحد دلوقتي صحيح بتتحارب من جو الفساد يعني إنت مظلوم لكنك لست صالحا بالضرورة. وهنا حنتوقف شوية مع اللفظين دول نحللهم ونرجع لنقطتنا فركز معايا.

مصلح عكسها فاسد. ومظلوم عكسها منصوف (من إنصاف يعني العدل). لما بتكون مظلوم بتشوف فساد الأشخاص والنظام. لكن ده مش حيخليك تتحول بطريقة سحرية لإنسان مصلح. فعلى الرغم من إنك إنت مظلوم هذا لا ينفي بالضرورة كونك فاسد في جزء من شخصيتك أو حتى ظالم كمان. فإنت قد تكون مظلوم من جهة لكن ظالم من جهة أخرى. بل وقد تكون مظلوم ولكن فاسد في نفس الوقت لأن اللفظين دول مختلفين عن بعض ومش عكس بعض. فطول ما إنت مظلوم بتكون ضعيف عن إنك تمسك سلطة وتطلع الشر اللي جواك ومن غير ماتربي نفسك وتجاهد نفسك على فعل وحب الخير مافيش أي ضمانة إن لما الظلم يتشال من عليك إنك مش حتتحول لظالم. بل ممكن يكون الظلم اللي واقع عليك رحمة علشان يحجبك عن الشر اللي جواك اللي ممكن يحولك لظالم وممكن كمان تظلم أكثر من أي حد إنت متخيله. ومن الآخر كلنا جوانا شر وعلى رأي المثل يا شر اشتر!
طيب يبقى نستنتج إيه من نقاشنا الجانبي ده؟ إنك وإنت مظلوم إنت لسه ممكن يكون جواك فساد وظلم لكن عندك فرصة عظيمة والشر متحجم جواك إنك تربي نفسك على الحق والخير والجمال والعدل علشان لما يترفع الظلم من عليك تكون مستعد لتأدية دور الإصلاح اللي إنت كإنسان مكلف بيه من ربنا علشان مصلحتك ومصلحة الناس. “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”. وده يخلي عندك فرصة لإصلاح نفسك إستعدادا للتعاون على إصلاح المجتمع وزي مابيقولوا “فاقد الشيء لا يعطيه”.

طيب حتقولي لا أنا محترم ومصلح نفسي وممكن أصلح في المجتمع ومتحكم في الشر اللي جوايا وماستهلش البهدلة دي كلها والظلم ده. أنا استاهل بلد تاني وناس تانية و…إلخ. حقولك طيب يبقى إنت كدا إنسان صالح وممكن تصلح الفساد اللي في المكان اللي إنت فيه دلوقتي. لما حضرتك وكل الناس الكويسين والخيرين والمصلحين اللي زيك كلهم يهاجروا علشان هما يستاهلوا أحسن من كدا ومش عارف اييه تفتكر حضرتك مين حيفضل في المكان ده؟ حتستسلموا وتسلموها لمين؟ للفساد وللإحتلال! وبعدين بعد ماتسافر تشتم المكان وتعيب عليه وتتريق طيب مابدل ماتتريق لو إنت مصلح فعلا إيدك بإيد أخوك وأختك ونحاول نصلح. ولا إنت بتبخل على المكان اللي انت اتربيت فيه بمجهودك؟ وهل البخل من صفة المصلحين؟