الحسن ناصر: سادية النظام العالمي الجديد

لن ندخل في الكثير من التفاصيل والتعريفات المملة.. سنتعامل مع الواقع ونحلل لنفصل في القول، لا يستطيع أحد أن ينكر أن السنوات الأخيرة في حياة المصريين بل في حياة العرب كانت سنوات تغير كبير، يعتقد البعض أن التغيير أي تغيير هو أمر جيد؛ لكن في الواقع هذا ليس صحيحا، فالتغيير مثله مثل السكين، هو ليس شرا بذاته ولا خيرا بذاته، وإنما يعرض عليه الخير والشر وفق الغاية التي يستخدم من أجلها. ولذلك فالصحيح أن نقول أن التغيير للأفضل هو وهو فقط التغيير الجيد ولا نستطيع بأي حكم عقلي متزن أن نصف التغير للأسوأ بالـ “جيد”، إنه يشبه وصف الشيطان بالملاك أو السارق بالشريف.
لنتوقف قليلا عند محطات التغيير التي مرت بها منطقتنا بداية من بعد الحرب العالمية الثانية. خرجت دول الاستعمار من الحرب العالمية الثانية منهكة تماما وضعيفة السيطرة على مستعمراتها الشاسعة، بينما شهدت الحرب العالمية الثانية الولادة المتعسرة لمسخ جديد يسمى بالكيان الصهيوني، والذي بدأ أول عمليات احتلاله في فلسطين العزيزة. إن الضعف في الجسد الاستعماري ساعد على قيام النزعات الوطنية والقومية لا في الوطن العربي فقط، ولكن في أنحاء العالم أجمع. قد نتفق وقد نختلف في تقييم التجارب الفردية لتلك النزعات وقد نصيب ونخطئ في تشخيصنا، لكن العامل المشترك والمحفز الرئيسي لتلك النزعات كان مقاومة الاستكبار الاستعماري. هكذا بدأت كل الحركات القومية بغض النظر عن نهاية تلك الحركات، بدأت كحركات وطنية تحاول الدفاع عن مبادئ إنسانية ثابتة كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

بالنسبة للقوى الاستعمارية كان يجب السيطرة على تلك النزعات وضمان أنها لا تنمو على نحو يهدد مكاسبها ومصالحها. فكانت المعالجة عن طريق الصدمات أو التغييرات التدريجية. هذه النظرية الاجتماعية غاية في الأهمية، فإذا أردت أن تكتسب عادة جديدة فأنت لا تحاول التغير نحوها بطريقة فجائية لأن النفس الإنسانية لا تستجيب جيدا للتغييرات المفاجئة بل قد يعطي ذلك نتائج عكسية. ولكن التغيير التدريجي والمنظم يؤدي في نهاية المطاف لنتائج جديدة لم تكن في الحسبان. هذه هي سياسة التغيير التي نتكلم عنها منذ البداية. وكما ذكرنا أن تلك الآلية في حد ذاتها ليست سيئة وليست جيدة، فيعتمد تقييمها على الغاية التي تستخدم لأجلها. والغاية في ذاتها لا تأتي مستقلة بل تأتي بناءً على مقدمات ومبادئ معينة. ولذا نجد أنفسنا مضطرين في تقييمنا للتغيير لدراسة المبادئ والغايات.

دعونا نتجرد في تحليلنا للتغييرات التي تطرأ على منطقتنا. إن غاية دول الاستكبار العالمي لا تزال هي استعمار الشعوب الأخرى واستغلال ثرواتها بطريقة ظالمة مجحفة مع ضمان عدم وجود قوة حقيقية تقاوم مخططاتهم الاستعمارية. هذه الغايات تبنى على مبادئ أيديولوجية مختلفة فهناك من يظن أن الحق مع القوة، وهناك من يعتبر أنه الجنس الأرقى أو شعب الله المختار، وهناك من يؤمن بالنفعية المادية بغض النظر عن الوسيلة. فالمبادئ تتعدد ولكن تشترك في حيودها عن القيم والأفكار التي تميز الإنسانية بل هي ذات الإنسانية. وعندما تتلاقى الغايات الخبيثة تتلاشى الفوارق المبدأية. فلذلك لا نتعجب أن بعض الدول الاستعمارية لها تاريخ عدائي طويل فيما بينها ولكن وحدة الغاية (المصلحة) تضمن توحيد المجهود لتشكل ما يسمى في النظريات السياسية بقوى الاستكبار أو الاستعمار.

إن الوسيلة الرئيسية لتحقيق غايتهم هي السيطرة على الشعوب ووضعها في حالة مشفقة من الفقر والجهل والتهور لدرجة تمنع تلك الشعوب من أن تنظم نفسها بطريقة تسمح لها أن تقاوم الاستكبار العالمي. وتقوم كل خطوات “ترويض” الشعوب لتتقبل اللجام والسرج والتبعية على قاعدة التغيير التدريجي وسياسة الترغيب والترهيب. إن تلك الأنظمة تعرف جيدا أن هناك نوعين من الإنسان. فهناك الرجل الذي يضع سعرا لكل شيء حتى ذمته وعقله وهناك من لا يفرط في مبادئه مهما كان الثمن. ولكل حالة توجد وسيلة للتعامل معها بما يضمن الغاية الكبرى (الغاية تبرر الوسيلة) والتاريخ شاهد لمن أراد أن يعتبر. فالزعيم المخلص لوطنه ولأفكاره وأيديولوجياته قد لا يحالفه الحظ في أغلب الأحيان فقد تصاب طائرته بعطل في إحدى الرحلات الجوية أو يذهب ضحية حادث سير عنيف (رولدوس زعيم الإكوادور أو عمر تريخوس زعيم باناما) وأما من يمكن شراؤه فالتعامل معه يكون بأسلوب الترغيب وحدث ولا حرج في الأمثلة.

في النهاية إما بالترغيب أو الترهيب يصبح الطريق مفتوحا أمام تلك القوى لتدمير الشعوب فكريا وسلب مقدراتها المادية. تتحول الشعوب في هذه العاصفة من “التغييرات” لطبقة دنيا وعمال سخرة” وتنهار الكيانات الاجتماعية وتمحى الحدود السياسية ويتحول العالم لتكتل من الشركات والصفقات التي تسير الإنسانية بأساليب وحشية وقاسية نحو غايات مريضة ومنحرفة تتلخص بتحويل الإنسان لحيوان مستأنس لا يأبه إلا بالطعام والشراب (العلف) والمسكن (الحظيرة) والتزاوج مثل قطيع الأغنام بغض النظر عن الثمن. فالثور الذي يجر الترس لا يهتم إذا كان الترس جزءًا من ساقية تروي الأرض أو مطرقة حداد تشكل المعادن. فقط يهتم بحاجاته المادية.

هذا السرد هو اختصار لآلية التحكم واستعمار الشعوب. وهو دعوة لإعادة النظر وتقييم التغييرات التي تطرأ علينا في وطننا العزيز. فالعقل المتجرد سيدرس ويقارن ويفهم أين كنا وأين أصبحنا وإلى أين نذهب؟. لن يفرح الإنسان المنصف بالتغيير لمجرد التغيير بل سيهتم أكثر بوجهة التغيير وأسبابه.