الحسن ناصر: الحرب بالمقاولة

هناك أكثر من ركيزة يجب أن يبنى عليها أي قرار حاسم في أي إدارة. هذه الحيثيات لاتخاذ القرار هي التي عند تحليلها توضح حقيقة هذه الإدارة، وتنكشف حقيقة الأشياء دائما بدراسة المنطلقات والوسائل والأدوات والغايات، فالقرارات يستحيل أن تكون جزافية أو عفوية.
لقد خرج الوطن من أزمة حقيقية، هذه الأزمة بغض النظر عن الجهة المخطئة أو الجهة الصحيحة هي مأساة نتيجة لعدم التفاهم واحتواء الاختلاف وتقديم العنف والحل الحاسم على الحوار والمناقشة، أضف لذلك الاعتماد على الخارج بشكل تام دون وجود أيديولوجية واضحة نحو الواقع، فنحن كالطفل فقط نجري وراء الأرنب الأبيض (الوطن) دون أن نفكر ماذا سنفعل به بعد أن نمسك به، دون أن نقيم مدى استعدادنا لتربية هذا الأرنب والاعتناء به وتحمل أعبائه. فما أن نحصل على ما نريد ونجده حمل ثقيل نصرخ مرة أخرى ونتألم لأن المجهود المطلوب جبار، فيستعين الحمل بالذئب ليستأمنه على القطيع. وما أسعد الذئب الآن فلقد أحكم السيطرة وضيق الخناق ولم يتبق له إلا أن يكمل تنفيذ مخططه.

كم حذرنا مرارا وتكرارا على ضرورة الاهتمام بالهوية والسيادة والاستقلال عن الاستكبار العالمي، واجهنا التشكيك والتخوين والتصنيف ولم نبالِ، لأننا نسعى للحقيقة لا للشهرة والسمعة. المهم أن الأمور سارت نحو ما وصلنا إليه الآن وبالتدريج والصفقة كانت مثل المقاولة المتبادلة. كما يقول المثل الدارج “ظبطني وأظبطك”، فتمت الاستعانة بأموال ودعم الخليج لتحقيق الهدف (دون أن نصنف الهدف هل هو خطأ أم صواب؟) وتحقق الهدف وسيطرت الجهة المعنية على الدولة بالكامل وخلت لها الأجواء من أي منافس. هنا تتدخل طبيعة الأنظمة التي تفرض قوانينها على النظام أي نظام بلا شخصنة، فالغاز يستمر في التمدد ليملأ الفراغ حتى يتعادل ضغطه مع الوسط المحيط أو يصطدم بالسطح الفاصل مع الأطوار الأخرى، وكذلك الأنظمة فهي إما أن تنطلق بدفعها الذاتي حتى ينفد (الاقتصاد والقوة العسكرية) أو حتى تصطدم بالكيانات والأنظمة الأخرى.

في حالتنا اعتمدنا في انطلاقنا على الدعم المالي. ولكن لم يكن دعما ذاتيا من الإنتاج القومي لأننا في الواقع لا ننتج شيئا ولا نملك شيئا من تراب الوطن، فاعتمدنا على الذئب السعودي وأتباعه والثعلب الأمريكي، فأمدونا بالأموال ووعدونا بالمستقبل المشرق والمدن الجديدة والمشاريع العملاقة، ولكن في الواقع لقد كانت مقاولة وسنفيق يوما على أطلال الوهم والكذب كما حدث معنا مرارا وتكرارا في توشكى وغيرها من الأوهام التي وضعت على أعيننا لتمنعنا من رؤية الواقع الأليم.

الآن يجب أن نرد الجميل، ونرد الدعم بدعم مقابل ولكن من نوع مختلف، فالقرار لم يعد في يدنا حتى نقول إذا كان يمكن لنا أن نخوض الحرب أو لا نخوضها، فالقرار خليجي أمريكي أولا وآخرا. ولا دخل للدولة المصرية فيه. فهو حكم قهري علينا لأننا للأسف لم نجد بدا من قبول الدعم الخارجي لنصلح ما فسد أو هكذا اعتقدنا، وفي النهاية يتم اقتيادنا نحو أتون حرب جديدة لنخدم الملك السعودي ونموت من أجله بينما جنوده ينامون براحة وسعادة.

إنه نظام عاش الملك مات الملك وللأسف عدنا للعبودية مرة أخرى، وما زاد الأمر سوءا هو أننا نحارب في حرب لا يعلم فيها المصيب من المخطئ في أقل التقديرات على رغم من كون الصورة واضحة تمام الوضوح لمن أراد أن يبصر ويتعظ، فلا نستخدم في حرب شريفة نرفع بها رأسنا ونستعيد بها كرامتنا وقبلتنا المحتلة، بل نستخدم لنريق دماء أبناء وطن عزيز وشعب شقيق مقهور.
ولا حول ولا قوة إلا بالله!