الإدارة الذاتية للمصانع مطلب عمالى وتخوفات حكومية

العمال ينجحون فى إدارة مصانع الهاربين.. وعقبات قانونية تعترضهم

أثبتت تجربة الإدارة الذاتية للعمال نجاحها فى دول عديدة مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وإسبانيا وفى يوغسلافيا تحت حكم تيتو، وتعد الأرجنتين أكثر تلك النماذج تأثيرًا وأهمية، حيث أسندت للعمال أسلوب الإدارة الذاتية، ومنحتهم الحق فى تقرير السياسات المتعلقة بالإنتاج وساعات العمل والأجور ومهمات الإفراد وقرارات العمل اليومية بصورة جماعية وديمقراطية، بعكس أسلوب الإدارة التقليدى المنظم بشكل هرمى. وانتقلت التجربة إلى مصر بعد ثورة يناير، حيث بدأ بعض عمال المصانع استخدام هذا الأسلوب فى إدارة المصانع بعد هروب أصحابها وتركها غارقة فى الديون.

لجنة من العمال

يقول صالح محمد لاشين، رئيس اللجنة النقابية بمصنع المصابيح الكهربائية بالعاشر من رمضان: فى العام 2004، وسط ظروف بالغة الصعوبة، تم اختيار لجنة من العمال لإعادة تشغيل المصنع وإدارته على مدى عامين ونصف العام، بعد أن قرر مالكه رامى لكح غلقه، لاستيلائه على قروض من البنوك بلغت 133 مليون جنيه بضمان المصنع، وهرب بالأموال خارج البلاد، تاركًا 250 عاملًا يواجهون البطالة، إلَّا أن العمال أثبتوا أنهم على قدر عالٍ من الكفاءة والتنظيم يمكّنهم من تشغيل المصنع، وخلال عامين ونصف العام استطاعوا حل الكثير من مشكلات الإنتاج، حتى تجاوز المصنع أزمته وصولًا لتحقيق الأرباح.

وأضاف أن العمال واجهوا مصاعب، فليس لأحدهم الحق فى إدارة التشغيل، وبالتالى فلا يحق لهم الائتمان من البنوك، سواء بالاقتراض أو الإيداع أو السحب، فلم تمنحهم أى جهة رسمية أى أوراق تثبت حقهم القانونى فى الإدارة، وتركتهم أجهزة الأمن وشأنهم، بالإضافة للتهديد المستمر من قِبَل التأمينات والضرائب بالغلق لعدم سداد التزامات المصنع، وكذلك هيئات المرافق المختلفة كالكهرباء والمياه والغاز، بسبب عدم سداد فواتير الاستهلاك، فتغلب العمال على مشكلة زيادة استهلاك الكهرباء بابتكار وسائل للتبريد قام بها مهندسون وفنيون بالمصنع، مما وفر الكثير من استهلاك الكهرباء، وحفروا بئرًا ارتوازيًّا لجلب المياه الضرورية لاستخدامات المصنع.

وأشار إلى أن العمال تغلبوا على مصاعب عدم توفر قطع الغيار بإنتاج مواد بديلة ليوفروا ثمن استيرادها، كما واجهوا تسرب العمالة الفنية المدربة، فعموا على تدريب باقى العمال، وصار فرن الزجاج الخاص بالمصنع الذى كان يعمل به عشرة مهندسين يديره الآن اثنان فقط من الكيميائيين، حيث يستخدمونه لإنتاج أحد مكونات مواد النظافة من نفس خامات صناعة الزجاج وبيعها لمصانع المنظفات.

ويروى هشام أبوزيد، عامل بالضغط العالى بـ«طنطا للكتان»، قائلًا: عمال المصنع بدأوا بالفعل فى 19 مارس الماضى تطبيق فكرة الإدارة الذاتية للمصنع وتشغيله، رغم صدور حكم بعودة الشركة للعمال بتاريخ 28 سبتمبر 2013، إلَّا أننا فوجئنا بمعوقات الإدارة القديمة الموالية للمستثمر السابق لعرقلة التشغيل، وفصلت التيار الكهربائى عن المصنع، مما تسبب فى تعطيل العمل من جديد ووضعتنا أمام مأزق حقيقى.

وأضاف أن إدارة المصنع بمشاركة الحكومة تتعمد قطع الكهرباء لإفشال تجربة الإدارة الذاتية للمصنع، مشيرًا إلى أنهم حاولوا مقابلة رئيس الوزراء الحالى إبراهيم محلب لكن دون جدوى، وتم فض اعتصامهم الذى استمر 35 يومًا فى مارس من العام الماضى بمقر اتحاد العمال بالقوة، موضحًا أنه منذ صدور الحكم بتاريخ 28 سبتمبر 2013 والشركة متوقفة تمامًا عن العمل، وتكتفى بصرف رواتب نحو 500 عامل، وعلى الرغم من أن عمومية الشركة القابضة للكيماويات، والتى انعقدت فى 15 فبراير 2013 اتخذت قرارًا باستكمال الشكل القانونى لمجلس الإدارة، ولليوم لم يتم الانتهاء من الميزانية، ولا نعلم ماذا يدور بين الشركة القابضة والمستثمر.

ويروى محمد سلطان، أحد عمال الشركة الدولية للمنتجات الورقية «مصنع أنكوباب» قائلًا: «حصلنا بعد معاناة ووقفات احتجاجية الحصول على قرار من النائب العام بتفويض للعمال بإدارة الشركة، خاصة بعد هروب مالكها عقب الثورة، فقد حصل على إعفاء من الضرائب من عام 2000 حتى 2010».

وأضاف: عقب الحصول على قرار النائب العام وجدنا أن الأزمة لم تكن فى القرار لكن فى آلية التنفيذ، فإلى الآن لم يتم تنفيذه، موضحًا انهم استنفذوا جميع محاولاتهم، وفرضت وزارة الداخلية مؤخرًا حراسة من قوات الأمن المركزى على المصنع ومنع العاملين من التواجد حتى بمحيطه.

محاربة التجربة

وقالت فاطمة رمضان، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد المصرى للنقابات المستقلة فى عام 2011: قضت محكمة القضاء الإدارى باستعادة الدولة ملكية سبع شركات بيعت فى زمن الخصخصة بثمن بخس وسط شبهات فساد، وهى طنطا للكتان شركة النوبارية للبذور «نوباسيد»، غزل شبين الكوم، النيل لحليج الأقطان، النصر للمراجل البخارية، عمر أفندى وشركة سيمو للورق. لكن الدولة ترفض استلام الشركات وإعادة تشغيلها.

وأوضحت أن الأزمة الحقيقية تتلخص فى سياسات الدولة التى تضع عمالها ومصانعها تحت رحمة المستثمرين، فالدولة تحارب انتشار تجربة الإدارة الذاتية، لأنها ستجعل من العمال قوة حقيقة يستطيعون العمل دون رجال الأعمال، واستكملت: علينا نحن الاتحاد المستقل والأحزاب الضغط على الدولة لتغيير تلك القوانين الظالمة.

وأضاف وائل توفيق، القيادى العمالى، أن تلك التجربة استخدمت فى عدد من الدول التى كانت تعانى حالة من الكساد الاقتصادى، وأمثله على هذه الدول أمريكا الاتينية والأرجنتين وفزويلا، وحققوا نجاحاً كبيراً فى استخدام هذه التجربة وبالأخص دولة الأرجنتين.

وأضاف أنه عقب ثورة يناير، حاولنا العمل على تطبيق الإدارة الذاتية للمصانع ونجحت شركة «قوطة»، الذى جمع عمالها ألف جنيه من حوالى 400 عامل، وبدأوا العمل بطريقة الإدارة الذاتية التى نجحت بالفعل، وحاولنا إقناع عدد آخر من العمال فى استخدام تطبيق التحربة إلَّا أن الدولة ترفض وتحارب هذه التجربة، فضلًا عن غياب الوعى لدى العمال بالفكرة.