الفلسطينية «فدى جريس»: يكفي كي نقاوم أن نحكي ونرسم صورة «الشعب المكافح»

استطاعت أن ترى وطنها بأعين مختلفة، أكدت على هويتها الفلسطينية من خلال كتاباتها، حاربت الاحتلال الصهيوني بالقصة، كما نبذت منتوجاته، رصدت واقعها اليومي وتركت للقارئ فرصة الاطلاع عليه من الخارج.

فدى جريس، كاتبة فلسطينية، صدر لها مؤخرًا مجموعة قصص «الخواجا» في حيفا، بعد أن حققت قصص «حياتنا الصغيرة» قبولًا متميزًا بالعاصمة الأردنية عمان، ولديها دائمًا ما تحكيه عن فلسطين.

سألتها «البديل» عن صور الصراع الداخلي في وطنها وعن واقع الوطن العربي ككل، وما إذا كان الأدب العربي يشكل جانبًا هامًا للمقاومة، لتؤكد لنا الكاتبة أن الانتفاضة الفلسطينية الحالية هي معركة المطالبة بالحقوق المدنية ووقف التمييز البشع المفروض من المحتل الغاشم.

وإليكم نص الحوارننشره بالتزامن مع ذكرى مرور 35 عامًا على معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني..

– تدور قصصك حول قرية فسوطة بالجليل، ومنها بدأت قصة «فدى جريس»، الفلسطينية المولودة في لبنان، والمترعرعة في قبرص، والحاصلة على الماجستير من بريطانيا، والتي عادت إلى فسوطة وعاشت فيها قبل أن تهاجر إلى كندا، وتعيش الآن في رام الله.. ترى ما أثر هذا التعدد في ثقافكِ الخاصة، وما تأثيره على هويتكِ؟

يخلق هذا التعدد في الأمكنة عدة حيوات متزامنة في نفسي، بمعنى أن كل بلد أو مكان نسكنه يترك فينا أثرًا وثقافة ورؤية مختلفة للعالم. وعليه تصبح هويتنا مزيجًا من هذه الأمكنة. لكن هذا التعدد أفادني كثيرًا في النظر إلى مجتمعي وثقافته بشكل ناقد ومقارن مع الثقافات الأخرى، والنظر إليه أيضًا من خارجه، حيث أتيت إليه وأنا بالغة ولم أعش طفولتي فيه، فاستطعت أن أنظر إليه بأعين جديدة لأني رأيته لأول مرة.

– استطاعت قصصكِ الأولى «حياتنا الصغيرة» الغوص في التفاصيل اليومية للفلسطيني الجليلي، وكذلك مجموعتكِ الجديدة «الخواجا»، التي اتسمت بالواقعية.. فهل تبدو تجارب «فدى» حربًا على الاحتلال الإسرائيلي من خلال إحياء حكايات الضفة الشرقية المحتلة قبل أكثر من نصف قرن؟

نعم، فالقصص تؤكد هويتنا الفلسطينية المستمرة في وجودها وتناقلها عبر الأجيال، برغم احتوائنا في دولة معادية. وفي “الخواجا” تذكير بهوية الأرض الأصلية، والمساهمة في حفظ جزء من تاريخها من خلال الموروث الشعبي. فهذا الموروث، وخصوصيتنا الثقافية والاجتماعية، هما ما تبقى لنا أمام محتل يستميت لنفي تاريخنا ووجودنا.

– أظهرت مجموعتكِ القصصية الأولى إسقاطات على الحياة في الوطن العربي ككل، وقدمت قصة «طوشة وقايمة» صورة للصراع الداخلي في فلسطين الأشبه بالصراع العربي أيضًا، فهل اكتفت القصة القصيرة برصد إشكاليات الواقع والتماس معه؟ أم كانت تسعى لتقديم رؤية ما مغايرة لهذا الواقع؟

كنت أسعى إلى رصد الواقع وإعطاء القاريء فرصة للإطلاع عليه من الخارج، كأنما للنظر إلى ذاته وتفحصها. وهو شيء لا نقوم به كثيرًا، في المجمل، شعوبًا أو أفرادًا. أردت المزج بين عنصر الفكاهة وبين إبراز المشاكل الحياتية اليومية التي نعاني منها، وكان القبول الكبير الذي حظي به الكتاب مؤشرًا أن الناس وجدت نفسها فعلاً في هذه القصص، مما أسعدني كثيرًا. وقد اكتفيت إلى الآن برصد إشكاليات الواقع وتصويره، تاركة تحليله للقاريء إذا شاء.

– في رأيكِ.. هل حققت الكاتبة من خلال بطلة «الحلقة المفرغة» انتصارًا “سرديًا/ مجازيًا” لهويتها، بتفاعلها سلبًا مع الآخر، ومجرد القطيعة مع منتوجاته، مثل “الإذاعة العبرية وقهوة الماكينات”، في مقابل لجؤها إلى منتوجات الثقافة العربية، مثل غناء فيروز والقهوة العربية؟

نعم، ففي بعض المواقف، لا يوجد أمام المرء شيء آخر ليفعله. هي تعيش في دولة محتلة، تجبرها على التعامل معها وإيجاد العمل ولقمة العيش فيها، لكنها تفعل ذلك بالحد الأدنى، وتهرب من تلك الثقافة المنفرة إلى ثقافتها العربية. إن ذلك الفعل، برغم سلبيته، يتسم برفض ونبذ الاحتلال ومنتوجاته، على الأقل على المستوى الفردي الخاص، وممارسة المساحة الوحيدة من الحرية المتاحة: حرية الحفاظ على الأصل والثقافة والانتماء.

– تعمقت قصص «الخواجا» أكثر في حياة أهل الجليل، لدرجة جعلتها تبدو كجزء ثاني لـ«حياتنا الصغيرة».. فهل حان الوقت لخروج «فدى» من حكايات الجليل؟ أم أن لتراث الأجداد سطوة يصعب الخروج من حصارها؟

فعلاً، جاء “الخواجا” كجزء ثان مكمل لـ”حياتنا الصغيرة” بعد نجاح تلك المجموعة الأولى والقبول الجميل الذي حظيت به. لكني انتقل الآن إلى قصص قصيرة حول ثيمة أخرى تشمل الوطن بشكل أوسع، وأتمنى أن تصدر في العام القادم.

– إذا كان الأدب العربي شكل جانبًا مهما من جوانب المقاومة، فهل يمكن أن يؤثر هذا الأدب في مواجهة المشروع الصهيوني؟

بالتأكيد. فهناك قول إنجليزي: “القلم أقوى من السيف”. والقلم هنا هو أداتنا في توثيق حضارتنا وتاريخنا وثقافتنا التي سعى ويسعى هذا المشروع جاهدًا لطمسها. إن أي تعبير عن الذات العربية في أي من أشكال الأدب أو الفن هو فعل بقاء، وليس بالضرورة أن يتناول السياسة أو الصراع؛ يكفي أن نتحدث عن هويتنا الخاصة ونروي حكاياتنا اليومية ونرسم صورة شعبنا الذي، بجانب كونه ذو قضية، يعيش ويكافح ويعمل ويحب ويكتب ويضحك ويبكي ويمارس كل أشكال الحياة، وله الحق في الوجود.

– أخيرًا.. تناولت قصة «سفر برلك» الحقبة التي عانت فيها فلسطين من سياسات التجويع والسخرة التي فرضها الاحتلال العثماني، ويرى السارد أن المنطقة لن ترى الحرية أبدًا.. فمتى يتحرر زيتون الجليل؟ وفي رأيك هل من بوادر لثورة ثقافية تمهد لانتفاضة جديدة؟

في ظل الواقع المفروض علينا في الداخل منذ النكبة، والذي لن يتغير الآن، فإن انتفاضتنا الحالية هي معركة المطالبة بالحقوق المدنية ووقف التمييز البشع الذي نتعرض له في هذا الكيان، الذي فرض علينا فرضًا ثم عاملنا كأي محتل غاشم، تحت غطاء دولة ومواطنة. وفي هذا السياق، هناك أهمية قصوى للأدب، في ظل الحراك المستمر وزيادة الوعي التي بدأت تظهر لدى شبابنا.

لا أرى أننا في طور ثورة ثقافية الآن فحسب، بل أننا منذ عدة سنوات نمر بحالة ضغط شديد ومسائلة لهذه الدولة التي سئمنا من ممارساتها. والثقافة، إن كانت في القصص والرويات، أو الشعر، أو المقالة السياسية، تلعب دوراً هاماً في هذا المجال. برأيي فإن أي حالة ظلم لا يمكن أن تستمر للأبد، ودورنا كمثقفين وكتّاب هو المساهمة في تعزيز حالة المسائلة والمقاومة بهدف التخلص من هذا الظلم.