البديل صوت المستضعفين

أخر الأخبار

    البديل صوت المستضعفين

    الكردي شيركو بيكس: اتركوا الفنانين يعرضون لوحاتهم على مقبرتي

الشاعر الكردي شيركو بيكس
    الثلاثاء, أغسطس 13, 2013

“حين أموت لا تدفنوني في مقابر المشاهير؛ لأنها أصبحت مزدحمة جدًّا، وأنا لا أحب الزحام، إذا وافق رئيس البلدية ووافقت مجلس بلدية مدينتي على طلبي؛ أرجو أن تدفنوني في حديقة الحرية قرب نصب شهداء السليمانية، فالمكان هنالك أوسع، أستطيع التنفس هناك براحتي، أريد أن أكون قريبا من أهالي مدينتي رجالا ونساء، أن أسمع الموسيقا وأشعر بفرحة الناس وأراهم وهم يرقصون.

ولتنقلوا مكتبي وجميع دواويني وصوري ولتضعوها فوق ضريحي، ليتكم تبنون مقهى وحديقة صغيرة قربي ليحل الشعراء والكتاب والشباب والصبية المتيَّمين ضيوفا على، أريد أن أتخيل مرقدي الآن وأبصره بعين خيالي، وأنتم تشيعونني أريد أن أسمع “ديلان” وهو يهمس بأغانيه، وعلي مردان وهو يغني مقام الله ويسي، دثروني بعلم كردستان، وليُسمع نشيد (فليحرس عين الله الوطن) ملء الفضاء، في جنازتي أريد أن يستمع الناس للموسيقا، واتركوا فسحه للفنانين كي يعرضوا لوحاتهم على مقبرتي بعد وفاتي, أرجو أن تعلنوا جائزة أدبية سنوية باسم (بيكس) ولتمنح لأجمل ديوان كل سنة, وخصصوا الجائزة من ميراثي الذي سأتركه”.

هذه كانت وصية شاعر القضية الكردية وصاحب قصيدة الكرد الكبرى “شيركو بيكس”، الذي رحل عن عالمنا يوم الأحد الموافق 4 أغسطس، عن عمر يناهز 73 عاما، في مستشفى في العاصمة السويدية ستوكهولم، بعد معاناة مع مرض السرطان، ترجمتها إلى العربية الباحثة والمترجمة الكردية “خيرية شوانو”.

ونستطيع أن نعرف من هو بيكس الشاعر والإنسان من خلال كلمات هذه الوصية التي تعبر عن صوت الشاعر المنحاز للحقيقة والمتيم بحب وطنه، ويعد النضال مكونا أساسيا من شخصيته وإبداعه، إذ انضم إلى حركات المقاومة الكردية في الجبال، وإلى مسيرة الثورة الكردية ضد صدام حسين، وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

ويتحدث بيكس عن هذه التجربة في حواره مع الصحفي والروائي المصري ياسر عبد الحافظ قائلا: “تجربة الجبل كانت غنية من حيث الولوج إلى عالم الثوار والالتصاق بمعاناتهم اليومية وتضحياتهم الدائمة، كل شيء كان مختلفا عن المدينة، كنا نعيش في قلب الطبيعة القاسية، ومع الناس البسطاء وحكاياتهم وتجاربهم، واستفدت كثيرا من لغتهم النقية، رأيت الموت لمرات عديدة قربي، خاصة عند قصف الطائرات لمقراتنا ونجوت بأعجوبة لا تصدق في العام 1986، لم أكن من حملة السلاح ولا أحبه، ولكني شاركت في خندق الكلمات شعرا، حيث أغني للأرض المحروقة والشهداء والينابيع المقتولة والطيور المغتالة، فكانت قصائدي في تلك الفترة العصيبة بمثابة جروح تنزف كما تنزف دماء الأبرياء”.

تواصلت عبر الإيميل مع الشاعر والروائي الكردي “هيوا قادر” صديق الراحل بيكس، وقال في شهادته عنه: “يعتبر شيركو بيكس واحدا من أهم الشعراء المبدعين الكرد منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن، وأعتقد أن نصوصه الشعرية ستظل خالده لعقود طويلة، وما يميز شيركو عن بقية الشعراء الكرد؛ أنه كان شاعرا لجميع الفئات، لذا أحبه الجميع دون استثناء فسموه شاعر الشعب، فقد عاش في أكثر الفترات دموية في تاريخنا، حين حاول الحزب البعثي الاشتراكي طمس الهوية الكردية ومحوها بالكامل.

انعكس كل ذلك في قصائد شيركو بقوة، فقد كتب لحلبجة وللأنفال ولمعاناة شعبه، فأصبحت قصائده ألبوما لمـأساته، وكأن قصائده صور فوتوغرافية تلتقط ما يحدث، كان يكتب ويخلد شعبه ويصرخ بأعلى صوته، في زمن كان الكردي منسيا وغير موجود بالنسبة للعالم.

ويتابع هيوا: “بعد تحرير كردستان وتأسيس البرلمان عين سنة 1992 وزيرا للثقافة في حكومة إقليم كردستان، غير أنه بعد فترة وجيزة من استلامه الوزارة قدم استقالته احتجاجا على إغلاق صحيفة، وبذلك كان أول وزير كردي يترك منصبه دفاعا عن حرية التعبير واحتجاجا على الفساد.

‌ويؤكد أن شيركو كان ثائرا بحق، لم تقتصر ثورته على الدفاع عن أرضه وشعبه فقط، إنما ثار على العادات البالية في مجتمعه، ودافع عن المرأة، فاتُّهم من قبل المتحفظين بالكفر والإلحاد، وحرضت الشيوخ على قتله في التسعينيات، غير أنه لم يهتم بكل هذه التهديدات، وواصل مسيرته بخطى ثابتة، وعلى غرار زملائه الشعراء كأمثال محمود درويش، فقد حلم بالحرية المطلقة لشعبه.

ويضيف “كان جل اهتمام شيركو منصبا على القضايا المحلية، على الخطر الذي واجه الوجود الكردي، ولكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة، وهذه حقيقة مرة تواجهنا نحن الكتاب والشعراء الكرد جميعا، وربما السبب يكمن في أننا أكراد ولا نملك وقتا سوى للالتفات للخطر الذي يهدد وجودنا كشعب له هويته وثقافته الخاصة.

ويختم حديثه قائلا: “ترجمت قصائد بيكس لعشرات اللغات الأجنبية، كما ترجمت أيضا للغة العربية، غير أن الشعوب غير العربية اهتموا بما كان يكتبه أكثر، وهذا سؤال ينبغي أن يُطرح على المثقفين والأدباء العرب”.

وتقول أستاذة الأدب الكردي في جامعة السليمانية “بشرا كسنزاني”: إن الأدب والثقافة العربية هي أول نافذة طل منها شيركو بيكس على الثقافة العالمية، فكان يقرأ قصائد بابلو نيرودا ولوركا من خلال الترجمات العربية، مما دفعه لأن يكون على اطلاع واسع بالأدب العربي ومتابعا لتجارب الشعراء والكتاب العرب بشغف، دون أن يقع في شباك التقليد الأعمى؛ لأنه كان ابن بيئته قبل كل شىء.

وتتابع: “قدس بيكس اللغة الكردية وانشغل بها، فبحث عن أصول وجذور الكلمات بل أحيا اللغة واعتبر نفسه حاميا لها، أما بالنسبة لتأثره بالشعر العربي – أو بالأخص الفلسطيني – فالموضوع يرجع للتشابه في مأساة الشعبين، وانعاكسه في تجارب شعرائهمم، فالشعب الكردي سلبت أرضه، وكان ولا يزال وجوده وهويته مهددا، كما حدث ويحدث للشعب الفلسطيني، وهذا جعل شيركو يتطلع لما كتبه درويش بحرارة، حتى إنه كتب قصيدة ينعيه فيها”.

وتضيف كسنزاني: “ما يميزه عن غيره من الشعراء ويبعده عن التقليد هو أنه تمكن من نقل مأساة شعبه إلى عالم النص المفتوح، فلغته تميزت بالبساطة والعمق دون افتعال أو تصنع، لذلك وصل صوته المختلف والمنفرد للشعوب الأخرى، وكان تأثره غير المفتعل بكل ما يحدث لشعبه من مأساة وظلم وانعكاسه في كل ما يكتبه مخاطبا الإنسان أينما كان له أثره الكبير في أن يصل صوته للعالم”.