مدحت الزاهد يكتب: مجلس عز وجمال أضاع مشروع التوريث

  • نجحت العملية ومات المريض .. 5 سبتمبر على الطريقة البرلمانية!
  • نيران صديقة: الحزب الوطنى يدك مواقع المعارضة!
  • انتخابات 2010 هدية الحزب الحاكم لجماعات التغيير

لا تصلح أوصاف التزوير أو البلطجة أو المذبحة أو المأساة .. كعناوين رئيسية لوصف ما حدث فى يوم الاحد 28 نوفمبر عام 2010 وتداعياته السريعة فى الايام التالية.. فهذه العناوين مكررة لمشاهد معتادة فى كل الانتخابات المسابقة .. والجديد أن هذه المشاهد حدثت فى الزمن الخطأ ..

وقد تكون العناوين الاهم هى : انتخابات 2010 هدية الحزب الوطنى لجماعات التغيير .. مجلس عز وجمال أطاح بمشروع التوريث .. هيئة أركان الحزب الحاكم دكت مواقع تيار المولاة فى أحزاب المعارضة ..

وقد يكون العنوان الابرز هو نجحت العملية ومات المريض! أو 5 سبتمبر على الطريقة البرلمانية!

والمشترك بين مشهد 5 سبتمبر 81 وهو تاريخ المذبحة التى دبرها السادات لكل أطراف المعارضة وانتهت بسجن قياداتها ..  و28 نوفمبر 2010 وهو تاريخ التشكيل الحصرى لبرلمان الوطنى، ليس مشهد العنف، بل مشهد الغشم .. وليس استعراض القوة .. بل حماقة غرور القوة .. وليس عدد ضحايا تجريدة الامن ومنكوبى الانتخابات، بل عنوان: كيف أعيت الحماقة أصحابها!

والواقع أن هذه العناوين ترتبط بالنتيجة الاهم لانتخابات 2010 وهى تعميق الميول نحو التغيير واضعاف تيار الموالاة فى صفوف المعارضة الرسمية .. وكشف كل عورات النظام السياسى المرتكز على الهمينة والاحتكار فى ظروف تصعد فيها من خارج المظلة الامنية للهيمنة حركات سياسية  و اجتماعية تتكرر على شكل موجات وجماعات تغيير شابة تنمو فى عملية تراكمية تحيط بها حركات احتجاج جماهيرى ومظاهر سخط صريحة ومكبوتة ..

حملة تطهير

وقبل انتخابات 2010 كان البرلمان نفسه ساحة لحركات احتجاج من كل الطوائف، الى حد دعوة نواب فى الحزب الحاكم الى اطلاق الرصاص الحى على المحتجين لتطهير ساحة المجلس من الغوغاء.

وفى المجال السياسى بلغ المشهد السياسى ذروته بظاهرة البرادعى وبالحملات المصاحبة لترشيح البرادعى ونور وحمدين صباحى للرئاسة .. وبلغ المشهد الاجتماعى ذروته بإضرابات الاجور فى صفوف العمال والموظفين والمهنيين واحتجاجات الفلاحين على محاولات ورثة الاقطاع استعادة أرض الاصلاح.

وعلى لوحة هذا المشهد ظهر نشطاء يتصدون لمواجهة فساد زكم الانوف فى قضايا شهيرة كعقد مدينتى وبيع البنوك وصفقة عمر أفندى وفضيحة بيع الغاز المدعوم لإسرائيل.. والاستيلاء على أراضى الدولة لصالح تشكيل عصابى نشأ فى قلب السلطة وحولها، ليلتهم الاخضر واليابس.

وتمثل هذه الملامح الجديد الذى ينمو فى مصر والذى يستحيل معه أن تؤدى الطريقة الاحتكارية الامنية فى ادارة الانتخابات الى نفس التداعيات السابقة على صعود جماعات التغيير وتعاظم دوائر الاحتجاج.

ثنائية الوطنى ـ الوفد!

وقبل الانتخابات توقع بعض المحللين، مرتكزين على معلومات متسربة، أن يلجأ الحكم الى مناورة، لا تتناقض مع مصالحه، وتساعد فى فك الاحتقان.. وكانت الفكرة أن المناورة فى الانتخابات البرلمانية سوف تأخذ شكل توسيع حصة أحزاب المعارضة وتقزيم حصة الاخوان .. واحلال ثنائية: الوطنى ـ الوفد محل ثنائية الوطنى ـ الاخوان .. بإعتبار أن الاخوان هم الخصم الرئيسى، وأن الوفد بحصة أقل مما نالها الاخوان فى انتخابات 2005 يمثل جناحا ليبراليا يمكن أن يحظى بالقبول فى الاوساط المصرية والدولية، دون أن يشكل تهديدا على الحكم.

وكان الظن وبعض الظن أثم أن الحزب الوطنى لن يقترف حماقة ضرب كل أطراف المعارضة معا، ولا يمكنه تصفية الاخوان بدون توسيع حصة الاحزاب من الحصة المفقودة للاخوان .. بل أكثر من ذلك فقد كان الظن ،وبعض الظن اثم، أن دوائر الحكم لن تلجأ الى ضربة تصفية شاملة للاخوان، لان الاسئصال يمكن أن يقود الى التجذر، بينما الدمج الامن يخفض المخاطر .. خصوصا وأن الاخوان يطرحون شعار المشاركة، لا المغالبة، ويعرفون موقع الخطوط الحمراء وأن المطلوب فقط هو تقزيم الاخوان..

وتراوحت التقديرات ما بين 30 الى 50 مقعدا للوفد وانخفضت الى 10 وما دونها فى حالات التجمع والناصرى مع حصص رمزية لباقى الاحزاب! وكان الشاهد على ذلك أن الحكومة زورت الانتخابات فى بعض الدوائر لصالح بعض مرشحى المعارضة فى انتخابات المحليات والشورى مع قطع الطريق على الاخوان.

نصف معارض .. نصف حكومى

وقيل فيما قيل أن الحكومة لن تتخذ خطوات من شأنها اضعاف القيادات المتنفذة فى الاحزاب وقد تحولت الى نصف اشباه قيادات معارضة ونصف موظفين للدولة، مع تصاعد موجات من الاتهامات للقيادة بتحويل احزابها لفروع للحزب الوطنى، أو قيامها بدور العمالة للسلطة، حتى كتب أبو العز الحريرى مقالته الشهيرة “ارحل اليهم” مناشدا رفعت السعيد الرحيل الى الحزب الوطنى.

وبدا أن هذا التقدير ،الخاص بمراعاة الاحزاب، منطقى، ولا يتناقض مع المصالح الجوهرية لمؤسسة الحكم أو فرعها الحزبى فهو يضمن للوطنى ما يزيد بكثير عن أغلبية الثلين، كما أنه اكثر قبولا دوليا .. و اكثر مواتاة للداخل فى ظروف صعود جماعات تغيير متمردة على المظلة القانونية الامنية المهيمن عليها ..كما أنه انجح فى بناء تحالفات للحزب الحاكم مع احزاب متكيفة مع القيود المانعة للنشاط الحزبى، ثم أنه الاقرب لفكرة البرلمان، فالفكرة البرلمانية تقوم على افساح مساحة للمعارضة، والا تحول مجلس نواب على الطريقة الحصرية للحزب الحاكم الى هيئة استشارية للحكومة!

الواحد الاحد

وخلافا لكل هذه التوقعات سارت العملية الانتخابية وأظهرت أن الحزب الوطنى لا يرفض ثنائية الوطنى والاخوان، بل كل ثنائية! ولا يقبل الا بمبدأ الوحدانية “سبحانه وتعالى” ويتطلع الى اجماع اكثر مما حققه الانبياء والرسل!

وكان هناك تمهيد نيرانى كثيف سبق الانتخابات بدأ بالتعديلات الدستورية عام 2007 التى انهت الاشراف القضائى على الانتخابات بتعديلات المادة 88، مع انها لا تتناقض مع مظاهر السيادة الوطنية، واستحدثت فكرة اللجنة العليا للانتخابات وحصنت قراراتها وأعادت سيطرة الجهاز الادارى على عمليات الاقتراع والفرز والغت مبدأ “قاض لكل صندوق” واجراء الانتخابات على مراحل، فالجهاز الادارى للدولة فيه ما يكفى ويزيد لاجراء الانتخابات فى يوم واحد .. حتى لا تتعطل أعمال القضاء! وواكب هذا التعديل تغيير المادة 76 لجعل مسألة خلافة الحكم حصرية فى الحزب الحاكم .. وبالاضافة لما لحق بالدستور تم تشديد الهجوم فى المجال السياسى والنقابى شاملا الصحافة ونادى القضاة.

فذلكة نظرية

ولم يكن متوقعا ممن رفضوا أشراف القضاء المصرى على الانتخابات، أن يوافقوا على الرقابة الدولية أو حتى المصرية، فتتابعت قبل الانتخابات مشاهد من الفذلكة النظرية للتمييز بين الرقابة والمراقبة .. ثم التمييز بين المراقبة والمتابعة، فى اشارات واضحة على النوايا المبيتة فالفساد يهيم بالتعتيم والاستبداد يعشق الظلام.

ولان التفاصيل كثيرة فإن قفزة سريعة الى الوضع عشية الانتخابات تكشف هذا الاتجاه المتزايد لتشديد القبضة القمعية ومن ذلك الهجوم على الصحافة والمنابر الاعلامية المستقلة ونموذجها ما جرى لجريدة الدستور .. واحالة العمال الى محاكم عسكرية والاعتداء على اساتذة الجامعات من حركة 9 مارس واحالتهم للتحقيق بتهمة توزيع حكم قضائى ضد وجود الحرس الجامعى! والمواجهة الوحشية لمظاهرة الاقباط!

5 سبتمبر برلمانية

ورغم كل ما جرى من قمع كانت المعلومات المتسربة تؤكد أن الحكومة تخشى من انفجارات عشوائية ومنظمة تصاحب الانتخابات وأن الداخلية تعالجها بضربات اجهاض مبكرة حتى لا تواجه بظرف تضطر فيه الى حملة اعتقالات واسعة فى اعقاب ما جرى فى 5 سبتمبر 81 أو فى اعقاب انتفاضة الخبز فى 18 و19 يناير 77 .. وأن مثل هذه الممارسات حدثت فى انتخابات المحليات والشورى دون أن تعكر توجه الحكومة لمراضاة المعارضة.

لكن ما حدث أن مؤسسات الحكم تفادت بالضربات المتلاحقة احتمال ضربة سبتمبرية شاملة لكنها استبدلتها بغارة نوفمبرية على المعارضة، فى اشارة لرغبة الحزب الحاكم أن يلتهم المائدة وحده، وطرد المدعوين مسقطا من حساباته أعتبارات كثيرة:

v   أن قيادات الاحزاب التى رفضت مطالب المقاطعة .. أو المشاركة بضمانات، والمتهمة من الاصل بالمهادنة، والعجز عن تحدى القيود المانعة لممارسة النشاط الحزبى وتعويضها بصفقات ومصالح صغيرة مع النظام، قد وجدت نفسها محشورة فى زاوية، وقد خرجت صفر اليدين، دون أن تنال عنب الشام أو بلح اليمن .. فمنهم من أمتلك جرأة الانسحاب كالوفد والناصرى (وبينهما الاخوان) ومنهم من أرتضى دور كاسر الاضراب (بعض قيادات التجمع) على أمل نيل مكافأة المرحلة الثانية .. حتى أن مانشيت الاهرام المسائى، وقبل انتخابات الاعادة  حمل البشارة “التجمع يقود المعارضة فى مجلس الشعب”! فأى تجمع وأى معارضة وأى مجلس شعب؟!

وخلاصة ما حدث هو اضعاف تيار الموالاة لصالح تيار الاستقلالية .. وهى نتجة محتملة بصرف النظر عن المناورات اللاحقة.

أن الانتخابات قدمت حافزا جديدا لجماعات التغيير التى رفضت الخضوع لمظلة الهيكل السياسى الامنى واتجهت الى بناء مؤسسات تنظيمية مرنة مستقلة.. والانتخابات كانت هدية الوطنى لجماعات التغيير.. فقد أثبتت عمق توجه مؤسسات الحكم للهيمنة الحصرية على كل المؤسسات التمثيلية والنقابية والاجتماعية، وأن التنظيم المستقل هو الطريق الوحيد لبناء ديمقراطية حقيقية، وجهتها القواعد، وهدفها تغيير علاقات القوى فى عملية تراكمية بالارتكاز على التنظيم والمبادرة الجماهيرية .. فمسارات التغيير ما تزال مفتوحة والانتخابات منحت ميول التوجه نحو التغيير، زخما جديدا.

v   أن الانتخابات عمقت أزمة النظام السياسى المؤسسى والصدع الذى يعمل فيه، وهى من هذه الزاوية لا تمثل انتصارا للحكم بل هزيمة، وكشفا لعجزه عن القيام حتى بإجراءات كانت ممكنة لتحسين صورته.

واذا كانت الدلالات السابقة تعبر عن ميول وتفاعلات سوف تأخذ وقتها، الا ان النتيجة الاخرى، التى لا تقل وضوحا، انه خلافا للمقصود من أن يكون مجلس جمال وعز هو مجلس التوريث، فإن حماقة الحزب أضاعت الغطاء الشرعى للمجلس الجديد، الذى سيظل مطاردا بالدعاوى القضائية والرفض الشعبى .. ولم يكتسب مشروع التوريث أى بريق بعد الانتخابات، بل زاد انطفاء!