د. أحمد الخميسي : قصة بدلة

هبطت علينا البدلة في تلك الليلة التي استيقظ فيها عم يوسف على صوت قرقعة في الفجر، وقال إن حلما كان يطارده طيلة نومه بأنه محصور يبحث عن تواليت وكلما وجد واحدا رأى بابه مغلقا، وفي المرة الأخيرة ظل يقرع الباب بقوة حتى استيقظ على صوت قرقعة بعيدة ، فنهض ونظر من البلكونة إلي الشارع ولمح شابا يرمح تحت البيت أمام عربة كارو يقرقع خلفها على الأسفلت غطاء بالوعة . شهق عم يوسف : ياابن اللصة ! واندفع يطرق باب شقة إبراهيم بك المواجهة له صائحا ” يا سنيور إبراهيم الحقنا ” . فتح  إبراهيم الباب ووقف مستنفرا في بدلة ضابط الشرطة وبيده زجاجة ويسكي. هبط الاثنان السلالم بسرعة وهما يطرقان أبواب شققنا أنا ومحمد وحسن . فخرجنا وهرولنا خلفهما بالبيجامات والفانلات والنوم في عيوننا . الدنيا آخر الليل ونحن نسترشد بين عتمة البيوت وظلالها بقرقعة غطاء البالوعة وصوت عجلات الكارو. جرينا في كل اتجاه،وإبراهيم يترنح من السكر مندفعا في كل ناحية ويده مرفوعة بالطبنجة في الهواء زاعقا ” وقف عندك يا كلب ! طاخ ! ” ويطلق عيارا في الفضاء ! ، فنستعدله على طريق اللص هاتفين ” من هنا يا إبراهيم.. من هنا “. مرق اللص بالكارو بين العمارات الجديدة نحو الشارع الرئيسي ، ونحن وراءه حتى أمسكنا به من قميصه فتمزق بين قبضاتنا، ولطمه إبراهيم بقوة على صدغه فسال من ركن فمه خيط دم ، وفي تلك اللحظة برز من خلف  البيوت ثلاثة عساكر غشي النعاس مشيهم ، وما أن شاهدوا بدلة إبراهيم والنجوم النحاسية تبرق على كتفيها حتى أظهروا احترامهم بصفعات ساخنة طرقعت على قفا الولد ووجهه،يضربونه ويختلسون النظر إلي البدلة ” أيكفي هذا؟ “. الولد كان في نحو العشرين ، وقف مخطوف اللون إلي جوار الكارو بشبشب بلاستيك وبنطلون ضيق كأنما ليس له ، ويده ترتجف على رقبة الحصان الهزيل ، يترنح من قوة اللطمات ، ثم يعتدل متماسكا ، وبعينيه الواسعتين بريق من الوحدة والوحشة .

أعاد العساكر غطاء البالوعة إلي مكانه وسحبوا الولد متجهين إلي القسم ، ورجعنا نحن على مهل وأعصابنا المشدودة ترتخي في النسيم والسكون . خلال دخولنا العمارة خامرني شعورغريب كأن طيفا من قماش ونحاس تسلل بيننا إلي المبنى خلسة .

بعد نحو أسبوع اجتمعنا كعادتنا في الجمعة الأولى من الشهر في شقة محمد، وجلسنا لنناقش بصفتنا اتحاد ملاك العمارة ما يمكن عمله وتكلفته ، وطالب عم يوسف بشراء خرطوم مياه جديد لري الأشجار، وألح محمد وهو يذكرنا بسرقة غطاء البالوعة على ضرورة تركيب باب حديدي لمدخل البيت يحمي الشقق . وكان  إبراهيم بك ظريفا كعادته،  يوافق على كل شيء بسهولة ولايمانع في دفع أي مبلغ، واكتفى بالقول : اعملوا أي شيء أنا جاهز. كنا قد قلنا كل ما لدينا ، فلزمنا الصمت لحظات نشرب القهوة ، وفجأة مسح عم يوسف على شعر رأسه الفضي بيده وقال لإبراهيم : ” يا مستر إبراهيم ، يرفضون أن يحسبوا لي سنوات خدمتي في إيطاليا ضمن المعاش، المسألة تحتاج لمشوار واحد منك معي ” . تخيلنا جميعا أثر البدلة في موظفي المعاشات فنظرنا إليها بدون قصد، ولاحظ إبراهيم ذلك فعبرت وجهه سحابة خفيفة من الضيق ولم يقل شيئا . وأحس عم يوسف بامتداد الصمت وأراد قطعه فتذكر أيام كان يعمل منذ أربعين عاما في فرع الشركة السياحية بروما وكيف تعرف على مارجريت وتزوجها ثم استعاد أيامها الأخيرة قبل وفاتها حين كانت تنادي على أمها بالإيطالية ونهنه وبكى سائلا إبراهيم : ستأتي معي إلي المعاشات؟. وذهب معه إبراهيم بالبدلة وتمت تسوية المعاش .

كنا نعتمد كثيرا على أريحية إبراهيم الذي كان يعشق الملابس الجميلة والكولونيا ، ويصعد تقريبا كل ليلة سلالم العمارة إلي شقته مخمورا ، فإذا سمع أحدنا وقع خطواته وخرج إليه متوددا ” انتبه لصحتك يا إبراهيم بك ” ، قهقه ضاحكا وهو يترنح سائلا : سمعت آخر نكتة ؟! ويجذب الخارج من كتفه قائلا : تعال .. تعال . ويسحبه إلي شقته في الطابق الثالث ، وبينما زوجته وإبنه نائمان يضع زجاجة براندي وخيار مخلل وجبن رومي فيشرب معه سعيد الحظ منا حتى آخر قطرة ناصحا إياه “انتبه لصحتك شوية يا إبراهيم “.  يوما بعد آخر تأكد لنا أن للبدلة وقع السحر حيثما تظهر، فهي التي حلت مشكلة السرير المكسور الذي اشتريته بالتقسيط حين رفض صاحب محل الموبيليا استبداله، وهي التي وقفت مع حسن عندما طالبه الميكانيكي بسداد ثمن دبرياج إدعى أنه ركبه في سيارته، وهي التي حضرت عرس بنت أخت عبد الحفيظ جارنا فتباهت أمها بالبدلة وصارت تزغرد بملء الفم قائلة للمعازيم : تفضلوا .. سلموا على الباشا . وصرنا عند أول بادرة من حاجة أو مأزق نستنجد بالبدلة .

في ديسمبر من هذه السنة ترقى إبراهيم ووضع نجمة جديدة فوق كتف البدلة ، وعمت الفرحة شقق الطوابق الأربعة كلها، وعلقنا أسلاك بلمبات ملونة في الشارع، ولعلعت من المسجل والسماعات أغاني الأعراس ، ورتبنا وليمة من الكباب والسلاطات والتفاح ووضعنا في الوسط طورطة كبيرة غرسنا فيها شمعة واحدة . ووصل إبراهيم بعد ساعة ضاحكا حاملا زجاجتين وحكي لنا أنه انتقل بعد الترقية إلي حجرة كبيرة مكيفة مخصصة له وحده، وظل يشرب ونحن نضحك ونهنيء أنفسنا حتى بلغ غاية السكر ومال برأسه على الكرسي أمامنا ونعس وتصاعد شخيره . وقف حسن ونظر من على مسافة إلي النجمة الجديدة سعيدا وقال : جميلة فعلا . وتطلع محمد إلي البدلة بفرح وصفق بيديه على إيقاع مرددا: من قدك ياباشا ؟ ، وعم يوسف يتمايل برأسه ويرد : باشا يا باشا !

تألقت البدلة بعد تلك النجمة، وازداد حضورها قوة ، ولم يعد شيء تقريبا عصيا على تأثيرها، فتمكنت من التوسط لسيدة من أقاربنا في العمل بمكاتب المبعوثين في الخارج وفي تعيين شاب آخر صحفيا في جريدة مرموقة ، وعشنا معها ونحن نشعر جميعا أنها ترعانا وتعطف علينا حتى ذلك اليوم حين طرقت بابي زوجة إبراهيم تستنجد بي لنقله إلي مستشفى. وهناك فاجأنا الأطباء بقولهم إن إبراهيم بحاجة إلي عملية بسيطة ومع ذلك فإن إجراءها مستحيل لأن كبده المشبع بالكحول لن يحتمل تخدير الجراحة. ظل إبراهيم في المستشفى نحو أسبوع عاد بعده إلي بيته هزيلا وشاحبا ، بعدها لم يعد يتردد على عمله سوى يومين في الأسبوع يهبط فيهما السلالم بمساعدة زوجته أو ابنه. وكنا نزوره نحن الأربعة أنا ومحمد وعم يوسف وحسن ، إما معا أو بالتناوب ، فنجده جالسا على الأرض في الصالة بجلباب واسع ، ظهره مسند إلي حافة الأريكة خلفه ، يكلمنا ببطء من يجد صعوبة في الفهم والتركيز . وتعطلت مصالح صغيرة لنا ولبعض أقربائنا هنا وهناك عندما قل ظهور البدلة ، وأكد عم يوسف أن الحسد هو السبب فيما جرى لنا ، وتذكر فيلما إيطاليا شاهده في روما  باسم ” العين الشريرة ” وقال ” نسيت أحداثه لكن موضوعه كان الحسد “.

عندما توارت البدلة بالتدريج فارقتنا تقريبا تلك الثقة التي كنا نقدم بها على حل أي مشكلة ، وصرنا أميل إلي التأني ، ولم نلجأ للبدلة بعد ذلك سوى مرة واحدة ، حين لم يكن أمامنا سبيل سواها . حدث ذلك عندما رفض خالي وهو أستاذ جامعي عجوز اعتماد بحث علمي مسروق تقدمت به للترقية عشيقة عميد الكلية، فعزله العميد من لجنة الأبحاث، وجاءني خالي متأثرا يتمتم ” أهذه نهاية خدمتي للعلم ؟” فصعدت مع محمد إلي شقة إبراهيم ، وحشرناه داخل البدلة ، وهو غير مدرك تقريبا لما يدور حوله ، وأجلسناه بيننا في تاكسي كان منتظرا تحت البيت ، واتجهنا به وخالي معنا للقاء مسئول كبير أنهى الأزمة بمكالمة تلفونية وإبراهيم جالس يهز رأسه من حين لآخر دون أن يدرك شيئا وهو يردد : خير .. خير إن شاء الله . وفي طريق العودة ونحن داخل التاكسي التفت إبراهيم إلي محمد وسأله ببطء : ماذا قال الأطباء؟ . حين رجعنا إلي البيت جلسنا في شقتي ، وإبراهيم غائب عن وعيه تقريبا ، رأسه ملقى خلفه على مسند الكرسي ، وخالي ينظر إلي البدلة بعينين متأثرتين دامعتين قائلا : شكرا يا باشا ،  لولاك ما أنصفني أحد في هذه السن .

في عصر اليوم التالي طرق صبي المكوجي باب شقتي ، حاملا البدلة على شماعة ، وقال إنه لم يجد أحدا في شقة إبراهيم بك ، وترك البدلة عندي ، فوضعتها على ظهر فوتيه في الصالة لحين صعودي لزيارة إبراهيم، وحدث في تلك الليلة أنني استيقظت من النوم بسبب كابوس، فقمت ومشيت إلي الصالة، وكانت البدلة مكانها في العتمة تحت النافذة ، وخيل إلي بسبب شعاع القمر الذي سقط عليها أن نجومها تومض ناظرة إلي مثل عيني نمر في الظلمة ، فأضأت النور منزعجا .

ظلت البدلة عندي يومين ، وكنت أنتظر في اليوم الثالث وصول أسطى لتنجيد طقم الصالون ، فجلست أتفرج على التلفزيون، وفاجأتني رؤية الشاب الذي عيناه في صحيفة يتحدث في برنامج عن كتبه ورواياته ، وكان جالسا في بدلة أنيقة وقد وضع في جيب جاكتته العلوي قلما مذهبا وغرس في جانب منها شعار هيئة أدبية. فناديت على زوجتي هاتفا ” تعالي شوفي وجدي في التلفزيون ” ! وبعد نصف الساعة جاء المنجد وعاين الطقم ثم قال : ” في شغلة كهذه آخذ عادة مئة جنيه “. ثم اختلس نظرة إلي البدلة وأضاف بلطف : ” لكن لأجل خاطر الباشا سآخذ خمسين جنيها بس”. ونهض منحنيا متمتما في اتجاه البدلة ” عن إذنك ياباشا ” وانصرف على أن يأتي بعد يومين.

مساء يوم الجمعة الذي نلتقي فيه استضافنا عم يوسف وأعد لنا ” بيتزا إيطالية” ، وخفنا أن يبكي من ذكرياته ، لكنه لم يفعل ، أما البيتزا كانت عبارة عن عجينة محترقة الأطراف غرست في سطحها زيتونة سوداء واحدة كأنها شارة حداد . وجرنا الكلام إلي حالة إبراهيم الصحية المؤسفة، وأنه لم يعد من السهل جرجرته وحشره في البدلة مع تدهور حالته التي جعلته لا يغادر شقته تقريبا ، ولا أدري كيف واتت عم يوسف الفكرة فاقترح أن نقوم بتفصيل بدلة يرتديها أي شخص آخر! وأضاف بحكمته : عندما يكون عندنا بدلة أريح لنا ، وللسنيور إبراهيم . واستشهد بمثل باللغة الإيطالية عن عصفور لا يحتاج إلي شجرة، وشجرة لا تحتاج إلي عصفور، وظل يترجمه ويشرح لنا معناه ونحن ننصت له باحترام . وسدد محمد إلي نظرة متسائلة ، فأطرقت برأسي أفكر. وقطع عم يوسف الصمت ناهضا وهو يقول ” البيتزا كثيرة يا أولاد .. كلوا قدر ما تريدون .. هناك المزيد  “. اتجه إلي المطبخ ، ثم استدار إلينا وظهره محني وفرك يديه يسألنا : ” ماذا قلتم ؟ نفصل بدلة ؟ ” .