أميمة عبد الشافي : موسم المحبين يمر مرورا ثقيلا

لنهاية الشتاء السكندري دفء مميز ، ليس أحلى ما فيه احتواء الشوارع فقط ؛ بل زخات الإغواء الخفيفة التي تمطرنا بها الأرض التي تبدو صلبة وجافة . يحدث طوال فترات انكماشنا بالأرصفة والمنازل أن يبتلع جوف المدينة الماء ليحشو به ثنايا الطبقات الحارقة في الصيوف السياحية الكريهة ، لكن سطح الماء الطيب تطفو عليه شياطين قديمة تسكن تحت إسفلتنا المعروف وتدفعها رغبة في الجموح إلى الرشح باتجاه أقدامنا الغافلة جدا دفعات طيفية من إغراءات معتقة تجعل الولد الهادئ تماما ، الساكت أبدا منذ شهور يتسلل إلى قناعتي مباشرة عندما يقرر في تجلِ أنه مثل أهمية دخولنا إلى الحياة فإن ( عشق الجسد ماهوش فاني ) فأرتوي لأنني أفكر بالشيء ذاته وأكرر باستغراب.. :

– لماذا فبراير دائما ؟ لماذا يتحتم عليّ ـ في كل مرة ـ أن أولد عارية ؟!

إنهم يدقون الوشم الملون الجميل في كثير من البلاد التي تعرف الخلود وتنتمي إلى مآزق إقتصادية شديدة ، لكنها تملك بالضرورة جذرًا آدميًا ضاربًا في الوجود حتى ليعد الواحد منهم أمامك شجرة عائلية بها خمسون أبا تسموا جميعًا بابن آدم ولا يختلفون عن بعضهم ومع ذلك تحتاج ألف ليلة للسماع عنهم ثم تكشف عن سجل الجسد الموشوم فتدرك أن من يبتكرون ألوان الطلاء سريع الزوال لا يوسِّـعون تاريخهم لممارسات إنسانية أكثر كما يدعون ، بل هم معلقون بين رغباتهم في أن تبدو آثارهم المدقوقة بالماء كالحقيقية في لحظات حميمية فتعمق بدائيتها ونشوتها ، وبين امتلاكهم لمفاتيح الهرب من معالم بلا زوار في أوقات لاحقة .

إذن أنا أعرف الكثير عن جدوى أن ترسم تاريخا غائرا يصحبك أينما ذهبت ـ يجعلني هذا أنظر إلى الإسكندرية كمدينة حقيقية لأنها لا تعرف سخف التواري خلف ادعاءات الفضائل التي يتلونها جهارا ليقتلوا بها شياطين الإغواء التي تبدأ من الأذن ويجعلني هذا أرغب في تاريخ مماثل أحفره بجسدي ـ لكنني أتذكر أبي حينما لا يطلبون مني ذلك ، فأكون غبية بالحب ، وأسألك إذا جاء مايو أن تدق وشما بروحي كصك على اتفاق مؤجل بيننا ، وأتوهم أنني أفلت من التعلق مثل بعضهم ، لكن عودة فبراير هذه المرة تجعلني أفكر في عائق مناسب يمنع موسما ثقيلا من المرور فوق روحي حتى لا أسمع صوت هشاشتها المحبطة عندما تنسحق مخلفة عشرات الأجداد الذين لا لزوم لهم في نهاية شتاء مسيطر على كل الأشياء ، غير مأزقي في أنني بهذا الوصف الأنثوي الخالص لا يحق لي استخدام الكتابة ولا الورقة البيضاء المعلقة تحت اسمي . فإلى أي مدى سيتسع الوقت لحكايات شفاهية تؤملني بأن وصولها بداية لموسم خال من تكرار الشهور ؟!.

الإسكندرية