عمر باز: الولد الذي أحب “صالحة”

مها صبرى، بنظرتها الضيقة و ابتسامتها المملوءة بالخبث، بمشيتها السريعة و خطواتها الضيقة،بصوتها المبحوح و هى تغنى و هى “بتتكلم يونانى”،بحواجبها المروسمة لأعلى و شفاها السوداء”

تحاول صالحة تقليد مها صبرى و هى تتكلم بلكنة يونانية فى فيلم حسن و ماريكا. تجلس القرفصاء على الأرض، جسدها ناضج و طازج، وجهها شاحب، تحدق ببلاهة فى الشاشة، تحاول ترديد الكلام بنفس الطريقة. تتجه إلى المطبخ تكلم نفسها، تشغل الراديو و تحاول ترديد الأغانى بنفس خفة مها صبرى لكنها لا تستطيع. تنام على أرض المطبخ، تحلم بأن مها صبرى نائمة بجوارها. تتخلل اصابعها شعر مها صبرى و تنظر لها بحنان و تسمع صوت يغنى من بعيد ” شبك القلب و شبك العين اللى بحبه فداه الاتنين”.

يقف الولد على السلم الذى يفصل الطابق العلوى عن الطابق السفلى. يشاهد صالحة و هى تحاول التكلم بلهجة يونانية، ترتسم ابتسامة على وجهه و يعود إلى غرفته بالطابق العلوى. يغلق الباب عى نفسه، يحاول أن يحافظ على بحة صوت صالحة فى ذاكرته، يتردد صوتها فى دماغه، تشتعل النار فيه، تمسك بتلابيب جسده كله، يدور فى الغرفة كالمجنون. يطفىء نور الحجرة و ينام نومة متقطعة مليئة بالتقلبات و مليئة ب”صالحة”.

“سامية جمال و هى ترقص، لا ترقص بل تلعب. ترتسم على وجهها ملامح طفولية، يتمايل جسدها برقة و حلاوة و خفة. فى بعض المقاطع ترتسم على وجهها تأوهات تضرب القلب بحجر و  تجعل الروح تهتز ببهجة فى مكمنها”

ترقص صالحة أمام التلفزيون، تحاول مجاراة سامية جمال فى رقصها على موسيقى كهرمانة. تتخيل أنها ترقص مع سامية جمال، تريد أن تمسك وسط سامية بين كفيها مسكة خفيفة و تتركه يتلاعب كما يشاء حتى ينتقل عفريت الرقص إليها و يكملان مع بعضهما رقصة لم يشاهد أحد مثلها من قبل. فى نهاية رقصة كهرمانة، تنظر لها سامية جمال عبر شاشة التلفزيون، تبتسم ابتسامتها الواسعة و تغمز لها. يقع قلب صالحة فى روحها، يركبها عفريت الرقص، و ترقص لنفسها بدلع و خفة لم تعرفهما فى نفسها من قبل.

يجلس الولد على السلم يشاهد صالحة و هى ترقص، لا يريد أن يصدر أى صوت حتى لا يقطع عليها بهجتها و ترتسم على وجهه نفس الابتسامة التى تترتسم فى كل مرة يراها. جسدها يلعب فى جلابيتها برشاقة، أصابع قدمها أوتار مشدودة، جسمها مفرود، تدور حول نفسها و يطير شعرها حولها، تكاد تطير من فرط النشوة. يدخل حجرته و صوت رفات جلابية صالحة و التصاقها بجسدها النشوان عالق بذهنه. يندفع سيل من الدم الساخن داخله، يشعر ببعض الدوار و يتساقط العرق منه، لم يستطع حتى الآن أن يطفىء ناره.

“هلوسة: فى مطار كبير يجرى يحاول اللحاق بطائرته، لكنه لا يجدها، يفكر فى الجلوس فى صالة الانتظار ليرتاح.لا يجد سوى مقعد فارغ أطول بكثير من بقية المقاعد فيتسلقه و يجلس على قمته. يجد مضيفة طيران تمر من أمامه تشبه صالحة تماماَ، نادها و سألها عن مكان طائرته، ابتسمت و أشارت إلى شىء ما خلفه. التفت، فوجد الطائرة تتجه إليه، اقتلعت رأسه من مكانها ، يلمح المضيفة التى تشبه صالحة و هى تضحك و تمضى”

يجلس على سريره ، يمسك حباية حمراء فى يده يتفحصها بعناية، قالوا له أنها ستنسيه هوسه لبعض الوقت، أنها ستعيد درجة حرارة جسده لطبيعتها، أنها ستثلج قلبه لبعض الوقت. يطحن الحباية فى يده، يأتى بكوب الماء ويرمى فيه المسحوق، يذوبه و يشرب الخليط كله فى مرة واحدة. يجلس فى سريره ينتظر حدوث شىء ما. يبدأ الأمر باسترخاء فى جسده و جفنه، ثم تبدأ الصور تتتابع فى ذهنه: مقعد طويل، رأسه يطير، صوت ضحكة فيها بحّة يعرفها. بدأت الجدران تذوب حوله، يشعر برأسه فقط، لا يرى باقى جسده. ظل يضحك بهيسترية حتى أتت صالحة و أمسكت برأسه و وضعتها على جسده مرة أخرى.

“نهاية الكون الآخر: عندما نضجت ثانى امرأة فى الكون انشغلت معها الأولى، فصار الرجل الوحيد وحيد، فقتل أول امرأة و حاول أن يحظى بالثانية فرفضت، فقتلها هى الأخرى و أصبحت روحه فارغة و اعتصرتها الوحدة، فشعر بألم لا يحتمل فى قلبه، فقتل نفسه”

وجدت صالحة الولد يدخل عليها المطبخ ليلا و يهلوس بكلام غير مفهوم و العرق يتساقط منه. خافت عليه فأمسكت بيده و أجلسته بجسده الطويل على الأرض، احضرت بعض الماء البارد و قطعة من القماش و جلست بجواره، بللت قطعة القماش بالماء و وضعتها على جبينه على أمل أن يهدأ. ظل يهلوس ببعض الكلام الغريب، ثم نظر إليها و أبتسم و ظلت أنامله تتحسس وجهها و اقترب وجهه منها فمالت بجسدها إلى الوراء قليلا، ظل يردد اسمها و يحاول الوصول إلى وجهها بأنامله لكنه لم يستطع، قال فى وسط الكلام أنه يحبها و ظل يردد ذلك كل فترة. فى النهاية ابتعدت عنه بجسدها كله و    بان الغضب على وجهها، قامت من على الأرض و قالت:” أنا مش بحب غير البنات الحلوين”

و أخذ جسدها يختفى من أمامه.

القاهرة- 22 نوفمبر 2010

الخامسة و الربع صباحا