مروة سالم تقرأ لكم أفلام المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة :

  • الفيلم الروماني” وداعة “.. رؤية تراجيدية لسقوط العالم

  • اكتساح الفيضان و غرق القرية في نهاية الأحداث صورة رمزية لسقوط المجتمع بعد أن أختل ميزان العدل به و انعدمت المبادئ

كتبت – مروة سلامة :

بعيدا في أحدي الفري الرومانية البسيطة و التي تبعد كثيرا عن العاصمة ، حيث الحياة الهادئة و البدائية التي تخلو من أي مظهر من مظاهر الترف ، تقع أحداث فيلم “Meekness” أو ” وداعة ” للمخرجة الرومانية ” كاتالين أبوستول ” الفيلم يحاول استكشاف  الوجه الآخر للحياة في تلك القرية و التي تخفي وراء هدوءها بركان خامد .

تدور الأحداث حول “دوميترو” الطبيب البيطري الذي كان يعيش حياة هادئة مستقرة إلا أن حياته تنقلب رأسا علي عقب بعد أن قتل طفلا بطريق الخطأ ، فيتحول بعد تلك الحادثة إلي إنسان مستضعف و مهان من سائر أهالي القرية ، و يزيد الأمر سوءا إصابته بالخرس .

تسير أحداث الفيلم في خطين متوازيين : الأول نتابع من خلاله محاولة قتل الشاب “كوستيل” ، و علاقة الطفل “مارينسيا” بالعجوز “دوميترو” . و الخط الثاني يرصد أحداث الفيضان و خوف أهالي القرية من وقوع فيضان جديد. كل هذا من  خلال شرائح عمرية مختلفة تمثل نماذج لجميع سكان القرية وجميعهم  يتعرضون للظلم من قبل من يعيشون حولها و جميعهم متمسكون  بالقيم لأخر لحظة و يدركون أن هذا سبيلهم الوحيد للنجاة . يفتتح المخرج فيلمه بمحاولة قتل “مارشان” للشاب “كوستيل” بعد أن حاول منعه من سرقة المؤن و الملابس لصالح ابن عمه “باردالين” الذي يعمل في أعمال غير مشروعة ، و من خلال هذه الجريمة تكشف المخرجة عن الظلم الواقع علي هذا الشاب الشريف ، لاسيما بعد أن أعطي “باردالين” الشرطي رشوة حتى ينهي التحقيق لصالح ابن عمه و يثني “كوستيل” عن اللجوء للقضاء لينتهي الأمر في النهاية لصالح المجرم و كأن شيئا لم يكن ، ليقف المجني عليه عاجزا لا يقدر علي أن يسترد حقه ، بينما الجاني حر طليق . علي صعيد آخر حكمت المحكمة لدوميترو  بالبراءة إلا أن أهالي القرية لم يقتنعوا بهذا الحكم ، و حكموا عليه بالموت و هو علي قيد الحياة و أفسدوا حياته ، فأصبح يعمل كعامل نظافة في حانة صغيرة و يتعرض للضرب و التوبيخ من الجميع .

العلاقة الإنسانية بين العجوز “دوميترو” و الطفل “مارينسيا” نسجت بشكل راق و حساس للغاية ، فهو أب حرم من ابنه الذي هاجرت به أمه بعد الحادثة ، و الطفل حرم من والده الذي كان صديقا لذلك العجوز و يري فيه صورة أبيه و تصرفاته ، و كلاهما يحتاج إلي الآخر . و العجيب أن هذا الطفل هو الوحيد الذي يجيد التعامل مع هذا العجوز الفاقد للنطق ، فالمخرجة تشير من خلال هذا الطفل إلي الفطرة التي لم تلوث ، فالرحمة تعرف طريقها للقلب إذا امتلأ بالصفاء . ويكسب المعنى مصداقية أداء كلا منهما ، فذلك الطفل لم يخفت نجمه أمام ذلك الممثل الكبير حتى أن صوته كان معبرا و حساسا يجعلنا نشعر بإحساسه في الموقف الدرامي الذي يجسده و إن لم نلتفت إلي الترجمة .

استغلت المخرجة وقوع عدد من الفيضانات بالفعل في رومانيا، و اتخذت منها مدخلا تعكس من خلالها حالة انهيار الأخلاق و المبادئ و انعدام الرحمة و غياب العدل في هذا المجتمع الذي يعد نموذجا مصغرا للعالم.فالجميع يترقب حدوث الفيضان و يتابع أخباره من خلال وسائل الإعلام ، و الأكثر من ذلك أنهم يشاهدون في النشرات خبر غرق بعض الفري المجاورة دون أن يتخذوا أي خطوات إيجابية ، حتى المسئولين لم يأخذوا أي قرار إلا قبيل وقوع الكارثة ، و بالتالي فإن اكتساح الفيضان و غرق القرية في نهاية الأحداث صورة رمزية لسقوط المجتمع بعد أن أختل ميزان العدل به و انعدمت المبادئ .

تنتقل الكاميرا بين ثلاث أماكن ثابتة علي مدار الفيلم، باستثناء بعض المشاهد القليلة مابين الكنيسة المطلة علي النهر ،و التي طمست معالمها و لم يبق منها سوي رتوش لملامح بعض الشخصيات المقدسة لتبدو كالأطلال . و بين منزل الصغير، و الحانة التي يجتمع فيها رجال القرية و الشرطي، لنرصد أوضاع الناس هناك.

ولعل أهم ما يميز الفيلم هو أنك تشعر بأنه فيلم من بلدك مهما كان موقع بلدك علي الخريطة ، فلقد أستطاع “أبوستول” من خلال فيلمه أن يتجاوز الحدود بين الدول بعرضه للمشكلات بعمق و ساعده علي ذلك لغة الحوار التي قربت الصورة من النفوس و الأذهان . فتجد نموذج الشرطي الذي كان يعمل في العاصمة و تم نقله للريف بسبب كثرة فضائحه لأنه مرتشي ، و طريقة معاملته للمجني عليه “كوستال” و تهديده له بأنه لن يضمن له السلامة إذا استمر في المطالبة بحقه بشكل قانوني ، و كيفية تستره علي الجريمة . و حوارهما المعبر عن حرقة قلب المظلوم لنجده يصرخ قائلا :

” مش هسيب حقي حتى لو وصل الأمر أني أروح لرئيس الجمهورية ” وكأنك نعيش في إحدى قرى الصعيد المظلومة . كما تنعكس الطبيعة العالمية للفيلم من خلال الرؤية الغيبية للأحداث و كيفية تعامل البعض مع الكارثة فنجد سيدة تقول: ” أن عليهم أن يصلوا و يدعوا الله لأن يرفع عنهم البلاء “.

من ناحية أخري يظهر المخرج انعكاس هذا الفساد الأخلاقي علي الجيل الجديد من الأبناء ، فهي دائرة مفرغة فالأبناء ترث من أبائها كل شئ حتى الأخلاق ، فنجد الطفل يروي له أن ابن شقيق المدير سرق نقودا من حقيبة المعلمة ، و رغم علمها بذلك لم تعاقبه ، فهذا الطفل ضربه ، و لكنه لم يخبر المعلمة مبررا ذلك بأنها لم توبخه عندما سرقها ، فهل ستتحرك لترد له حقه .

فيلم “وداعة” يؤكد علي أن السينما الرومانية الجديدة  استطاعت أن تخلق أجواء فريدة  لترصد الواقع ليس المحلي فحسب بل العالمي أيضا  دون زيف أو خداع . جدير بالذكر أن الفيلم يعرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية..