زكريا الشونى : صناعة الغزل والنسيج …في انتظار كارثة محققة


ارتفاع وانخفاض .. عجلة تدور يوما لأعلى ويوما لأسفل ثم ما تلبث أن تعود إلى الارتفاع هكذا تسير الأمور..فدوام الحال من المحال .. أما في صناعة الغزل والنسيج فهي دائما في النازل ..منذرا ومهددا بخراب بيوت مستعجل لثلث سكان مصر هم العاملين بقطاع الغزل والنسيج..
أسعار الأساسيات في ارتفاع مستمر وجميعها تأكل من أرباح أصحاب هذه الصناعة والبعض يعمل حاليا في الخسارة حتى لا يغلق أبواب مصانعه أمام ألاف العاملين خوفا من تشريدهم..فهو سبب من أسباب رزقهم ..على أمل أن تعود الأمور إلى نصابها مرة أخرى ..
ما بين أسعار ترتفع للقطن بين عشية وضحاها.. وأسعار كهرباء مرتفعة ثم انخفاض محصول القطن..وانخفاض الطلب العالمي على المنتج المصري ..وتجمعت العديد من الأسباب منذرة بوقوع كارثة محققة لا محالة خلال الأشهر القليلة القادمة ..
ويمكن تقسيم أسباب المشكلة إلى قسمين رئيسين هما كل المشكلة..
أولا : أسباب داخلية من داخل مصر..
ثانيا: أسباب خارجية.. مرتبطة بالتعامل الدولي لهذا القطاع.
أما عن الأسباب الداخلية فقد تجمعت مجموعة من العوامل واتحدت أدت إلى تدهور هذه الصناعة ..
أولها : ارتفاع سعر الغزول المصرية المنتجة بقطن مصري بزيادة لا تقل عن 30% عن السعر العالمي مما يؤثر على تكلفة المنتج من القطن المصري .. مما أدى إلى تقلص عدد المغازل التي تقوم بغزل القطن ..
ثانيا : أدت سياسة مصر الزراعية إلى انخفاض الأرض المزروعة قطن حيث انخفضت الأرض المزروعة قطن من 2,2 مليون فدان في فترة الستينات إلى 285 ألف فدان في 2008 / 2009 وهى أقل نسبة على مدى قرن ونصف مضى ..
ثالثا : تحرير تجارة القطن أدت إلى عزوف الفلاح عن زراعة القطن خوفا من تقلبات الأسعار والمخاطرة بزراعته خصوصا انه يستمر في الأرض لفترة طويلة ..
رابعا : تسليم الأرض الزراعية إلى ملاكها وقيام الفلاح بإيجار الأرض بعقود إيجار جديدة أدت إلى ارتفاع القيمة الايجارية مما أدى إلى زيادة تكاليف الفدان المزروع قطن ..
خامسا : فرض قيود على استيراد الغزول لتعويض النقص في الإنتاج المصري يقلل من وجود المواد الخام اللازمة للصناعة مثل شهادة C. I . Q شروط الجودة والمنشأ وتعقيداتها… واشتراط التبخير للقطن في بلد المنشأ وإعادة التبخير مرة أخرى في مصر مما يزيد من تكاليف الانتاج…
سادسا : التهريب حيث يتم تهريب كميات كبيرة من القطن بلا ضرائب أو جمارك مما يضر بالعديد من أصحاب الصناعات النسجية ويتم التهريب بأحد طريقين
( 1 ) الدروباك : وهذا النظام يسمح بتشغيل غزول مستوردة داخل مصر ثم إعادة تصديره مرة أخرى كمنتج نهائي أو نصف مصنع لحساب منتج أجنبي ..ويتم التهريب فيا بثلاث طرق وهى :
( أ ) يتم التحايل بالتزوير في الكميات الواردة بالنقص ..
(ب) يتم التحايل بالتزوير في الكميات المصدرة بالزيادة…
(ج) التلاعب في كميات الهالك من المنتج بالزيادة… أو نسبة البوش للغزل المبوش ..
وهذه الكميات يتم ضخها في السوق المحلى بلا ضرائب أو جمارك..
(2 ) أما الطريق الثاني للتهريب داخل مصر فيتم عن طريق فتح الحاويات أثناء مرورها على الطرق البرية من ميناء الوصول إلى ميناء التخليص الجمركي .
سابعا : تراجع حصة مصانع الغزل المصرية في السوق المحلى بنسبة 15% بسبب الاعتماد على الغزول المستوردة من الصين والهند وتركيا وسوريا وكادت العديد من المصانع أن تنهار وتعلن إفلاسها لولا التدخل الحكومي كما حدث مع شركة ………………… التي قامت الحكومة بدفع رواتب العاملين بها لستة
أشهر متتالية..
وهذا التعثر في الشركات المصرية ناتج عن عدم جودة المنتج في بعض الشركات حتى أن الشركة القابضة للغزل والنسيج تعترف بهذا وتضع لكل مجموعة سعر بيع فيوجد شركات إنتاجها أعلى سعرا من شركات أخرى
وأيضا من أسباب التعثر سوء الإدارة وعدم وجود أنظمة حسابية ورقابية وأنظمة تكاليف قوية تستطيع ضبط كل الأمور المتعلقة بالعمل .. وزيادة العمالة الإدارية ونقص شديد في العمالة الفنية .. حتى أن معظم شركات الغزل في القطاع الخاص تستورد العمالة الفنية من الهند وسيرلانكا ..
ثامنا: ضعف إنتاجية الفدان في مصر حيث ينتج من 7: 9 قنطار مقارنة بالولايات المتحدة التي ينتج فيها الفدان من 17: 19 قنطار للفدان الواحد.
تاسعا : قدم موديلان الماكينات أو شراءها من الخارج مستعملة فتعطى إنتاجا غير جيد ونسبة هالك أعلى وعطلات مما يسبب ارتفاع تكلفة المنتج …
عاشرا : عدم الاهتمام الحكومي بزراعة القطن قصير ومتوسط التيلة في مصر والاعتماد على القطن طويل التيلة لارتفاع سعر البيع ..
أما عن الأسباب الخارجية التي تؤثر على صناعة الغزل والنسيج فقد بدأت منذ بدايات العقد الأخير من القرن الماضي بتفكك الاتحاد السوفيتي 1991 وفقدان السوق المصري سوقا من أهم أسواقة الخارجية ..ثم الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية حيث انخفضت الصادرات المصرية لأكثر من 26% وتحول الدول المستوردة إلى الهند والصين وبنجلاديش..
الخوف من مستقبل اليونان وتأثيرها على دول مجموعة اليورو حيث تم سحب الإنتاج العالمي من القطن حيت تعتبر اليونان من الدول المهمة في إنتاج القطن عالميا كما أنها تعتبر سوقا هامة لتصريف المنتج المصري من الوبريات والمفروشات ومستلزمات الفنادق النسجية ..
ثم يأتي تدخل مركز دبي وتوسيع أعماله في تجارة القطن العالمية .. وتحولها إلى مركز محورى لتجارة القطن العالمية ..
وكان لقلة الإنتاج العالمي دورا كبيرا في التأثير على الصناعة المصرية حيث نستورد الشعر قصير ومتوسط التيلة من الخارج لانخفاض سعره .. حيث قامت الولايات المتحدة برفع الدعم عن مزراعي القطن في أمريكا للتأثير على سعره عالميا ..
أما عن أخطر الأدوار العالمية في التأثير على صناعات النسيج في مصر فهو الدور الصيني في الأزمة حيث تلعب على أربعة اتجاهات متكاملة وان كانت مختلفة لتؤثر بها على العالم أجمع ..
(1) زيادة معدلات النمو الاقتصادي في الصين حيث بلغت 9,8 % وهى أعلى نسبة نمو اقتصادي وصل إليها العالم حاليا مما أثر بالزيادة على دخل المواطن الصيني وبالتالي اتجه المواطن إلى شراء المنسوجات حيث ارتفع متوسط الفرد من 5 كجم إلى 10 كجم من المنسوجات ..
(2) أدى زيادة الاستهلاك في المنسوجات إلى زيادة الطلب على الأقطان والشراء بأعلى سعر لمواجهة الطلب المتزايد..
(3) أدى الطلب المتزايد في الصين إلى رفض الصين تصدير المواد الخام أو النصف مصنعة ولا تصدر إلا منتج نهائي .للحصول على أفضل المزايا الاقتصادية في هذا الاتجاه ثم تبعتها حاليا الهند وتركيا ..
(4) سياسة الإغراق الصينية حيث تدخل الصين إلى الدول وتدرس أسواقها وتعرف احتياجاتها ويتم حساب التكلفة وتقوم بدراسة الفرق بينها وبين الدول التي دخلت إليها وتقوم ببيع إنتاجها في هذه الدول بسعر أقل من تكلفتها بكثير في هذه الدول حتى يتم انهيار الصناعات والقضاء عليها تماما ثم تفرض أسعارها بعد ذلك ..
كانت هذ1ه هي أهم الأسباب في تدهور صناعة الغزل والنسيج في مصر .. سواء الداخلية أو الخارجية ولابد من خطة مدروسة بعناية ودقة لتدارك الموقف حتى لانقضى على صناعة من أهم الصناعات في مصر ونشرد مئات الآلاف من العاملين في هذه الصناعة..

المحلة الكبرى