مسعد أبو فجر يكتب: لم أتمن لسجاني إلا أن يعيش بين أطفاله

  • كمائن متحركة: مانديلا فري..

يوم 13/7/2010 أكملت عامين ونصف وسبعة عشر يوما وراء أسوار المعتقلات، 930 يوما قرضتها الزنازين من عمري، كما قرضت مستوطنات نتنياهو أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية. 30 شهرا قضيتها متنقلا بين السجون، قبل أن افرش نمرتي، في أقدم سجون الشرق الأوسط، ليمان أبو زعبل، حيث لا أرى الشمس إلا دقيقة واحدة كل 21 يوما، حين يأتي أهلي لزيارتي.

أما شقيقي احمد أبو فجر، فقد اعتقلوه لتوصيل رسالة للبدو (تما) باني لم اجلب الإيذاء لنفسي فحسب، بل جلبته لعائلتي أيضا. والنتيجة، نام أخي، أكثر من سنتين ونصف، في طيارة، بطانية معلقة في سقف واحدة من زنازين، اكبر سجون الشرق الأوسط وأشدها قسوة، سجن الغربانيات بالإسكندرية.

لو كنت تعيش في الإسكندرية، في أول القرن العشرين، ورأيت كفافيس، يمشي في شوارعها، لن تصدق أبدا أنها في القرن 21 ستحتضن سجن الغربانيات الذي قضم سنين من أعمار عشرات الآلاف من المصريين. أحب كفافيس وأتمنى لو أرى كل بدو سيناء، مجتمعين في سفح هضبة التيه، ومن يعرف القراءة منهم يقرا في انتظار البرابرة، قصيدة كفافيس الأكثر شهرة، على من لا يعرفون القراءة.

ما العلاقة بين البدو والغربانيات والحكومة وكفافيس..؟ الأكيد الوحيد في حياة البدوي، انه يولد وقبل أن يموت يقرض الغربانيات من عمره بضع سنين.. الحكومة لا تعرف كفافيس ولم تقرأ في انتظار البرابرة. مبارك، رأس الحكومة وسماءها الأعلى، قال انه يقرأ أشعار محمود سامي البارودي، ونحن هنا لسنا بصدد تصديق قوله أو تكذيبه، فانا اصدق أن الرجل يعيش في زمن السيف والقلم والثورة العرابية، واصدق أيضا، وهذا هو الأهم، انه لا يعيش في زمننا.

اقسم أني لا احمل أي ضغينة تجاه سجاني، كنت استخف عقله (أحيانا).. احتقره (غالبا).. ولكني لا احمل أي كره أو حقد نحوه.. كنت افتقد طفلتي، اشتاق أن أوقظها كل صباح، أحط قبلة على ظهر يدها، أتشمم رائحة شعرها، امسح حبات من العرق متناثرة على جبينها.. أراقب أمها وهي تعد لها الساندويتشات لتذهب للمدرسة، أتابع بمتعة ضوضاءها، وهي تزعق، مش عايزه أروح المدرسة بالأتوبيس عايزه مسعد يوديني بالعربية.. ولكني إطلاقا لم أتمن لسجاني، إلا أن يعيش بين أطفاله، فهو لا يعرف انه صادر حريته في اللحظة التي اعتقد فيها انه صادر حريتي. ولا يفهم انه وضع إنسانيته تحت حذاءه، حين اخرج لسانه لـ 21 حكما وقرارا قضائيا بالإفراج عني، حكم منها وصفته صحيفة الدستور بالتاريخي، وأضافت، أنها المرة الأولى من سنة 1980 التي تصدر فيها محكمة القضاء الإداري حكما بإلزام وزارة الداخلية بالإفراج عن احد المعتقلين.

اشهد أن الحكومة قدرت عليَ، ومستعد للتوقيع على هذه الشهادة، والبصم بأصابعي العشرين (بنفس الطريقة التي فيشوني بها) على استمارة مكتوب عليها، شديد الخطورة على الأمن العام (الفئة أ) قبل أن يضعوا القيد في يداي ويسفروني للمعتقل. ولكن ما اسقط إكليل البطولة من على رأس الحكومة، أن حكومات غيرها قدرت على مواطنيها، الأبارتايد في جنوب إفريقيا وضع نيلسون مانديلا 27 عاما في زنزانة انفرادية. زميلي في الاعتقال يحيى أبو نصيرة، كان يقول، سجن مانديلا ما هو مثل سجنك.. ويضيف مبتسما: بتدخل له امرأته.. وعنده في الزنزانة ثلاجة مليانة قزايز خمر.. فيما بعد اكتشفت أن يحيى يحكي عن مانديلا متأثرا بتعامل الحكومة مع من يهربون الفياجرا والترامادول لقطاع غزة، ومع الجماعات الإسلامية، حيث تسمح لهم بالثلاجات والكولديرات، إضافة للاختلاء بزوجاتهم في السجون. أما مانديلا فقد كان ينام على “البرش” في سجن مقام على جزيرة تحيط بها تماسيح من نوع فائق الخطورة.. المأزق: أن نظام الأبارتايد كان يتهاوى، بينما الصبايا الحلوات، في أربع جهات الأرض، يعلقن صور مانديلا على صدورهن، وهن يرقصن على أنغام أغنية:” Mandela free  ” .. يتبع